انعقد منتدى الجوانب القانونية للاندماج والاستحواذ للشركات والفرص الاستثمارية يوم ٣١ أغسطس ٢٠٢٦ في مركز الرياض الدولي للمؤتمرات والمعارض، بتنظيم غرفة الرياض وعدد من الجهات ذات الصلة.
وجاءت مشاركتي في هذا المنتدى بصفتي خبيرًا قانونيًا مهتمًا بقطاع الشركات، حيث ترتبط صفقات الاندماج والاستحواذ M&A بصورة مباشرة بالحوكمة والمنافسة وإعادة الهيكلة والفرص الاستثمارية. وتمثل هذه العمليات أدوات مؤثرة في نمو الشركات وإعادة تشكيل هياكل الأعمال متى بُنيت على أساس نظامي واستثماري سليم.
وجمع المنتدى في جلساته الثلاث بين الرؤية الاستراتيجية والتنظيمية، والبعد الاستثماري، والإطار التنظيمي والرقابي للاندماج والاستحواذ في المملكة. وتناولت الجلسة الأولى الرؤية الاستراتيجية والتنظيمية لهذه العمليات في المملكة، وشهدت تدشين منصة «التلاقي والفرص» الرقمية التابعة لغرفة الرياض، بهدف تنشيط فرص الاندماج والاستحواذ، وتعزيز التواصل بين أطراف الأعمال، ودعم التفاوض، وربط الفرص الاستثمارية بالأطراف المهتمة. وناقشت الجلسة الثانية الاندماج والاستحواذ كأداة للنمو وتعظيم القيمة الاستثمارية، فيما تناولت الجلسة الثالثة الإطار التنظيمي والرقابي ودور الجهات المختصة في تنظيم ومراجعة الصفقات.
يقوم الإطار النظامي لعمليات الاندماج والاستحواذ في المملكة على أكثر من مستوى. فنظام الشركات ينظم الاندماج وإجراءاته وآثاره، بما في ذلك انتقال الحقوق والالتزامات وحماية حقوق الدائنين، بينما تتحدد الأحكام المنظمة للاستحواذ بحسب طبيعة الصفقة وشكل الشركة وما إذا كان الاستحواذ واقعًا على أسهم أو حصص أو أصول. وعندما تتعلق الصفقة بشركة مدرجة، تدخل أحكام نظام السوق المالية ولائحة الاندماج والاستحواذ الصادرة عن هيئة السوق المالية ضمن الإطار المنظم لها. كما تخضع العملية لأحكام نظام المنافسة متى شكّلت تركزًا اقتصاديًا وفق الضوابط المقررة.
ولا تقف سلامة الصفقة عند الاتفاق التجاري بين الأطراف؛ بل تقتضي تحديد هيكلها القانوني، ومراجعة الالتزامات والعقود الجوهرية، والتحقق من الموافقات التنظيمية اللازمة، وتقييم آثارها على المنافسة، وحماية حقوق المساهمين والدائنين وسائر أصحاب المصلحة. ويأتي الفحص النافي للجهالة هنا بوصفه أداة قانونية ومالية وتجارية أساسية لإدارة المخاطر قبل إتمام الصفقة، وكشف الالتزامات التي قد تؤثر في التقييم أو شروط التعاقد أو قرار المضي في الاستحواذ أو الاندماج.
ومن زاوية عملية، فإن الاندماج والاستحواذ لا ينفصلان عن واقع السوق والفرص الاستثمارية. فقد يكون الاندماج وسيلة لبناء كيان أكثر قدرة على المنافسة، وقد يكون الاستحواذ مدخلًا للتوسع أو دخول قطاع جديد، كما قد تكون إعادة الهيكلة أو الشراكة الاستراتيجية أكثر ملاءمة لبعض المنشآت من النمو التقليدي. وفي جميع هذه الصور تظل الصياغة القانونية السليمة، والحوكمة، وتوزيع المخاطر، وحماية الحقوق عناصر حاسمة في جودة الصفقة واستدامة أثرها.
ويحسب للمملكة ما تشهده من تطوير متواصل للبيئة التشريعية والتنظيمية المرتبطة بالشركات والاستثمار والأسواق، بما يعزز الوضوح والشفافية ويهيئ بيئة أكثر كفاءة لتنفيذ الصفقات. وفي هذا السياق، جاءت مبادرة غرفة الرياض بعقد المنتدى وإطلاق منصة «التلاقي والفرص» خطوة عملية تربط المعرفة القانونية باحتياجات قطاع الأعمال، وتدعم انتقال النقاش من الجانب النظري إلى فرص وصفقات قابلة للدراسة والتفاوض ضمن بيئة أكثر تنظيمًا.
وتؤكد المحاور التي ناقشها المنتدى أن صفقات الاندماج والاستحواذ أصبحت مجالًا تتقاطع فيه بصورة مباشرة قواعد الشركات والمنافسة والسوق المالية والحوكمة والعقود. ومن ثم فإن التعامل المهني معها يقتضي منذ المراحل الأولى تحديد الاختصاصات التنظيمية، وبناء هيكل الصفقة، وتوزيع المخاطر، وضبط الإفصاحات والضمانات، ومراجعة آثار الصفقة على الأطراف ذات العلاقة؛ وهي مسائل تقع في صميم العمل القانوني المرتبط بالاستثمار والشركات.
ويعكس تطوير الأدوات المساندة ورفع مستوى التنسيق بين الجهات التنظيمية والتمكينية توجهًا إيجابيًا في المملكة نحو سوق أكثر نضجًا في صفقات الشركات. كما يوسع ذلك من قدرة المنشآت، بما فيها المنشآت الصغيرة والمتوسطة، على دراسة الاندماج أو الاستحواذ كخيارات استراتيجية للنمو متى توافرت الجدوى والجاهزية النظامية والإدارية والمالية.
وأثمن ما تبذله المملكة من جهود متواصلة في تطوير بيئة الأعمال والاستثمار ورفع كفاءة الأطر النظامية والتنظيمية ذات الصلة، كما أقدر لغرفة الرياض تنظيم هذا المنتدى المتخصص وما طرحه من قضايا تمس بصورة مباشرة واقع الشركات والمستثمرين والممارسين القانونيين. وتمثل مثل هذه المبادرات مساحة مهمة لربط التطور النظامي بالممارسة العملية والفرص الاستثمارية في السوق السعودي.