افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية بالعاصمة الجديدة، بحضور كبار قادة الدولة والقوات المسلحة، في حدث لفت الأنظار إلى طبيعة هذا الصرح وما يضمه من منظومات ومراكز استراتيجية. وجاء الافتتاح في ٤ يوليو ٢٠٢٦ [١]. ولم يكن الحدث مجرد افتتاح منشأة جديدة؛ فقد كشفت البيانات الرسمية عن منظومة واسعة تضم مراكز للقيادة والسيطرة، وتنسيق أعمال دفاع الدولة، والطوارئ والسلامة العامة [٢] [٣]، في إطار يرتبط مباشرة بقدرة الدولة على الاستعداد وإدارة الأزمات وحماية أمنها القومي.
ما لفتني في هذا الحدث لم يكن حجم المنشآت وحده، بل ما يمكن أن يعنيه هذا الصرح في طريقة إدارة الأمن القومي وصناعة القرار وقت الخطر. وقد تابعت الافتتاح باهتمام، وشعرت منذ اللحظات الأولى أن المشهد يتجاوز مبنى حديثًا أو مقرًا ضخمًا؛ فطبيعة المراكز والمنظومات، والاسم ذاته: القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية، دفعتني إلى التوقف أمام الحدث ومحاولة فهمه بصورة أعمق.
ومن هنا بدأت قراءتي: لأن الانطباع وحده لا يكفي، عدت إلى المصادر الرسمية الموثوقة، وفي مقدمتها وزارة الدفاع المصرية والهيئة العامة للاستعلامات، لأبحث عن الإجابة عن أسئلة محددة: ما حجم هذا الصرح؟ ماذا يضم؟ وكيف يمكن أن ينعكس على الجاهزية، وإدارة الأزمات، والقيادة والسيطرة، وحماية الأمن القومي في عالم أصبحت فيه الأخطار أكثر تعقيدًا والزمن عنصرًا حاسمًا في القرار؟
بعد متابعتي للافتتاح، وجدت نفسي حريصًا على أن أعرف أكثر عن هذا الصرح: أين يقع؟ ما حجمه؟ ماذا يضم؟ وما الدور الذي أُنشئ من أجله؟ ولهذا اهتممت بالعودة إلى المصادر الرسمية الموثوقة، وفي مقدمتها وزارة الدفاع المصرية والهيئة العامة للاستعلامات، حتى أتعرف إلى الصورة من مصادرها الأصلية بعيدًا عن المبالغة أو الانطباعات العامة.
وبحسب ما نشرته الهيئة العامة للاستعلامات، يقع مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية في قلب العاصمة الجديدة، ويمتد على مساحة تقارب ٢٢ ألف فدان، وينقسم إلى ١٣ منطقة استراتيجية ولوجستية متكاملة [٢]، وهو ما يكشف منذ البداية أننا لسنا أمام مبنى إداري أو مقر تقليدي، بل أمام نطاق استراتيجي واسع ومتعدد المكونات والوظائف.
أما وزارة الدفاع المصرية فقد كشفت في بيانات رسمية عن أن القيادة تضم جهات تخصصية ومنشآت تعليمية وإدارية، إلى جانب مراكز ذات طبيعة شديدة الأهمية، من أبرزها مركز تنسيق أعمال دفاع الدولة، وكذلك مركز السيطرة المتكامل لخدمات الطوارئ والسلامة العامة، الذي يعتمد على نظم تكنولوجية وآليات للقيادة والسيطرة [٣].
وحين تُقرأ هذه المكونات مجتمعة، تتضح طبيعة هذا الصرح بصورة أفضل؛ فنحن أمام منظومة استراتيجية واسعة تجمع بين وظائف الدفاع والتنسيق والقيادة والسيطرة والاستعداد للطوارئ، بما يعزز قدرة الدولة على تكوين صورة أشمل للموقف، وسرعة التعامل مع المتغيرات، ورفع كفاءة التنسيق في الظروف العادية والاستثنائية.
وهذا تحديدًا ما يجعل قيمة القيادة الاستراتيجية أبعد كثيرًا من حجم المباني أو التجهيزات؛ فجوهرها الحقيقي يكمن في بناء قدرة مؤسسية متكاملة تساعد الدولة على الاستعداد للمخاطر، وتقليص الزمن بين ظهور المعلومة وفهمها والتحرك على أساسها، والتعامل مع الأزمات والمواقف المعقدة بدرجة أعلى من التنسيق والكفاءة.
أكثر ما لفت انتباهي في هذا المشروع أن القوة فيه لا تُقرأ فقط من خلال حجم المنشآت أو الإمكانات العسكرية التقليدية، وإنما أيضًا من خلال القدرة على إدارة المعلومات وربطها بالقرار.
فالدولة الحديثة قد تمتلك كمًا هائلًا من البيانات والتقارير، لكن القيمة الحقيقية تبدأ حين تستطيع التمييز بين المهم والهامشي، وربط معطيات تبدو متفرقة، واكتشاف المؤشرات المبكرة للخطر، ثم إيصال المعلومة الصحيحة إلى صاحب القرار في الوقت الذي ما زالت فيه فرصة التحرك قائمة.
وفي عالم تتداخل فيه التهديدات العسكرية مع الهجمات الإلكترونية وحروب المعلومات والأزمات الاقتصادية والاضطرابات الإقليمية، قد تكون القدرة على رؤية الصورة مبكرًا هي الفارق بين دولة تستبق الخطر وأخرى لا تتحرك إلا بعد أن يصبح واقعًا. ومن هنا تبدو البنية المعلوماتية ومنظومات القيادة والسيطرة جزءًا أصيلًا من مفهوم الأمن القومي الحديث، لا مجرد إضافة تقنية.
هنا تظهر إحدى أهم دلالات المشروع: وجود مركز السيطرة المتكامل لخدمات الطوارئ والسلامة العامة داخل هذه المنظومة يكشف أن دور القيادة الاستراتيجية لا يقف عند حدود العمل العسكري التقليدي. فالأزمات الكبرى لا تمنح الدول وقتًا طويلًا للتنسيق، وقد تكون المشكلة أحيانًا ليست في نقص الإمكانات، وإنما في تأخر المعلومة أو تضاربها أو بطء ربط الجهات المعنية ببعضها.
وهنا يمكن لمنظومة قيادة وسيطرة متكاملة أن تصنع الفارق من خلال تكوين صورة موحدة للموقف، وتسريع تداول المعلومات، وربط الجهات المختصة، وتحديد الأولويات، ودعم القرار ومتابعة الاستجابة. وسواء تعلق الأمر بتهديد لمرفق حيوي، أو حادث واسع، أو أزمة تمس الخدمات العامة، أو موقف يستدعي تحرك جهات متعددة في وقت واحد، فإن اختصار الزمن وتحسين التنسيق قد يكونان عنصرين حاسمين في احتواء الخطر.
ويكتمل هذا المعنى مع وجود مركز تنسيق أعمال دفاع الدولة؛ لأن الدفاع في العصر الحديث لم يعد يبدأ فقط عند ظهور الخطر على الحدود. فقد يأتي التهديد في صورة هجوم إلكتروني، أو استهداف لبنية حيوية، أو اضطراب في الملاحة، أو أزمة إقليمية تمتد آثارها إلى الاقتصاد والطاقة والأمن. ومن هنا يصبح الاستعداد قائمًا على الرصد والتحليل وقراءة التحولات ووضع السيناريوهات، وعلى قدرة مؤسسات الدولة على التحرك وفق رؤية منسقة بدلًا من ردود أفعال منفصلة.
موقع مصر وحده يفسر جانبًا كبيرًا من أهمية هذا المشروع. فهي تطل على البحرين المتوسط والأحمر، وتحمي قناة السويس بوصفها أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وتمتلك حدودًا ممتدة، وترتبط مصالحها بالأمن العربي والأفريقي والمتوسطي، وتعيش في محيط شهد خلال السنوات الأخيرة حروبًا واضطرابات وصراعات على الطاقة والممرات والمصالح.
وفي مثل هذا الموقع، لا يكفي أن تكون الدولة قوية عسكريًا، بل يجب أن تكون قادرة على فهم ما يجري حولها بسرعة، وربط الأحداث ببعضها، وتقدير انعكاساتها، والاستعداد للاحتمالات المختلفة قبل أن تتحول إلى أزمات مباشرة. ومن هنا لا أرى القيادة الاستراتيجية مشروعًا للاستعراض، بل استثمارًا طويل المدى في قدرة مصر على حماية قرارها وأمنها ومقدرات شعبها.
وقد كان لافتًا في كلمات الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الافتتاح الربط بين حماية مقدرات الشعب، وجاهزية الدولة، ودورها في دعم الاستقرار والسلام [٤]. وهذا المعنى يضع المشروع، في تقديري، في سياقه الصحيح؛ فالقوة ليست نقيضًا للسلام، بل قد تكون إحدى أهم ضماناته. الدولة القادرة أقل عرضة للابتزاز، وأكثر قدرة على الردع، وأقل احتمالًا أن يسيء الآخرون تقديرها.
ومصر لم تقدم نفسها تاريخيًا باعتبارها دولة تبحث عن التوسع أو الاعتداء على الآخرين، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تترك أمنها أو مقدرات شعبها للمفاجآت. ولهذا أفهم هذا الصرح باعتباره جزءًا من معادلة واضحة: مصر تمد يدها بالسلام، لكنها لا تتخلى عن القوة التي تحمي هذا السلام.
والطابع العسكري والسيادي للقيادة الاستراتيجية واضح، لكن أثرها في النهاية يخص كل مصري. فالمواطن قد لا يرى غرف القيادة والسيطرة، ولا يعرف كيف تتحرك المعلومات داخل المراكز، لكنه يستفيد من النتيجة حين تبقى الحدود آمنة، وحين تستمر مؤسسات الدولة في العمل، وحين تُدار الأزمات بكفاءة أعلى، وحين يكون القرار الوطني أكثر قدرة على الصمود تحت الضغط.
ولهذا شعرت، كمصري، بفخر حقيقي وأنا أتابع افتتاح هذا الصرح، ثم ازداد هذا الشعور كلما عرفت أكثر عن حجمه ومكوناته. وهو فخر لا يحمل عداءً لأحد، بل اعتزاز بدولة تستثمر في أمنها وتستعد لمستقبلها، وتدرك أن السلام لا يصونه حسن النوايا وحده.
وبعد متابعة الافتتاح والعودة إلى المصادر الرسمية، خرجت بقناعة واضحة: قيمة القيادة الاستراتيجية لا تتوقف عند حجم منشآتها أو حداثة تجهيزاتها، وإنما فيما تضيفه إلى قدرة الدولة على فهم الأخطار، والاستعداد لها، والتعامل معها، وحماية قرارها ومقدرات شعبها.
ومن هنا أرى أن افتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية يمثل حدثًا تاريخيًا في مسيرة بناء الدولة الحديثة؛ لا لأنه يمنع الأزمات من الوقوع، وإنما لأنه يرفع قدرة مصر على الاستعداد لها وإدارتها والتعامل معها بثقة وكفاءة.