خرجوا من بيوتهم بحثًا عن الرزق الحلال، عمال يومية يسعون وراء لقمة العيش بعرقهم، يحمل كل واحد منهم أملًا بسيطًا في أن يعود آخر النهار إلى أسرته بما يعينه على أعباء الحياة. لكن بعضهم لم يعد.
وقع التصادم بين مركبتي ربع نقل محملتين بعمال يومية داخل الصندوقين الخلفيين بمنطقة الدواويس التابعة لمركز القصاصين بمحافظة الإسماعيلية، يوم الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦. وبعد مباشرة التحقيقات، أعلنت النيابة العامة أن الحادث أسفر عن وفاة ١٨ شخصًا وإصابة ٣٠ آخرين، وأن أعمار الضحايا والمصابين تراوحت بين ٩ و٥٠ عامًا. [١]
ثمانية عشر إنسانًا خرجوا يطلبون رزقهم، وثلاثون آخرون حملتهم رحلة العمل إلى أسرّة العلاج بدلًا من العودة إلى بيوتهم. هؤلاء ليسوا أرقامًا في خبر عابر؛ إنهم أسر وأبناء وآباء وأمهات، وكان أبسط ما ينتظرونه من يوم العمل أن يصلوا إلى مصدر رزقهم ثم يعودوا إلى بيوتهم سالمين.
كشفت النيابة العامة أن السبب المباشر للحادث كان انفجار الإطار الخلفي الأيمن لإحدى المركبتين، ما أدى إلى انحرافها إلى الاتجاه المقابل واصطدامها بالمركبة الأخرى. [١] لكن تحديد السبب المباشر لا يعني، في تقديري، أن تنتهي الأسئلة عند هذه النقطة.
المأساة أكبر من إطار انفجر. فهي تفتح بابًا لمراجعة منظومة الأمان المحيطة بنقل عمال اليومية: الحالة الفنية للمركبات، وكفاءة الفحص والصيانة، وطريقة نقل العمال داخل صناديق مركبات النقل، ومدى الالتزام بمتطلبات السلامة، والرقابة على وسائل الانتقال المرتبطة بالعمل.
كما أن وجود صغار سن بين الضحايا والمصابين يفرض سؤالًا إضافيًا لا يجوز القفز إلى إجابته قبل انتهاء التحقيقات: ما طبيعة وجودهم على مركبات نقل العمال؟ وهل كانت تربط أيًا منهم علاقة عمل تستوجب فحص مدى توافقها مع قواعد حماية الطفل والعمل؟ السؤال هنا مشروع، أما تحديد المسؤولية فلا يكون إلا على أساس التحقيق والأدلة.
وتظل جهات التحقيق وحدها صاحبة الكلمة في تحديد المسؤولية القانونية. لكن من واجبنا، ونحن نقرأ الحدث، ألا نتوقف عند سؤال «كيف وقع؟»، بل نضيف إليه سؤالًا أهم: ما الذي كان يمكن فعله لمنعه، وما الذي يجب تغييره حتى لا يتكرر؟
في أعقاب الحادث، صدرت توجيات رئاسية بسرعة الوقوف على أسبابه، وإنهاء الإجراءات القانونية بدقة، ومتابعة حالات المصابين، وتقديم الدعم لأسر الضحايا. كما أكد رئيس مجلس الوزراء لاحقًا أن التكليفات تضمنت تحديد المسؤولين عن وقوع الحادث، وإزالة آثاره، وتقديم الدعم اللازم للضحايا والمصابين. [٢]
وقررت وزارتا العمل والتضامن الاجتماعي، تنفيذًا للتوجيهات الرئاسية، صرف ٤٠٠ ألف جنيه لأسرة كل متوفى، وإعانات عاجلة للمصابين تبدأ من ٣٠ ألف جنيه لكل مصاب وتزداد بحسب درجة الإصابة والتقارير الطبية المعتمدة. [٣]
وبدأت وزارة التضامن الاجتماعي الصرف الفوري للتعويضات، إلى جانب استمرار الدعم النفسي والمساندة الميدانية لأسر الضحايا والمصابين عبر فرق الهلال الأحمر المصري. [٤]
هذا التحرك مهم، لكنه ليس نهاية الملف. فالتعويض يساند الأسرة في لحظة قاسية، لكنه لا يعيد من رحل. وجبر الضرر في معناه الأعمق يكتمل عندما تكشف التحقيقات أوجه الخلل، وتُحدد المسؤوليات على أساس القانون، ثم تتحول نتائج التحقيق إلى إجراءات تمنع تكرار السبب نفسه.
بالنسبة لي، أكثر ما يفرضه حادث الدواويس هو إعادة النظر في الطريقة التي ينتقل بها كثير من عمال اليومية والعمالة غير المنتظمة إلى مواقع العمل. فحين يكون الانتقال نفسه جزءًا من رحلة العمل، تصبح السلامة في المركبة والطريق والصيانة والحمولة أمرًا يمس حياة العامل قبل أن يبدأ يومه أصلًا.
ولا أرى أن المطلوب بعد كل حادث هو حملة مؤقتة ثم نسيان الملف. المطلوب هو مراجعة عملية ومستدامة: ما المركبات التي تنقل العمال؟ ما اشتراطات صلاحيتها؟ كيف تُراقب؟ من يتحمل مسؤولية تنظيم النقل إذا كان مرتبطًا بالعمل؟ وما الضمانات التي تكفل ألا تتحول الحاجة إلى الرزق إلى قبول بمخاطر كان يمكن تجنبها؟
هذه هي القضية التي لا أريد أن تضيع وسط الأرقام. العامل الذي يقبل عملًا يوميًا لأنه يحتاج إلى الدخل لا يفقد حقه في السلامة. والإنسان الذي يركب وسيلة نقل متواضعة بحثًا عن رزقه لا يصبح أقل استحقاقًا للحماية من أي إنسان آخر.
حادث الإسماعيلية يجب ألا يمر باعتباره حادث طريق آخر؛ لأنه يضع أمامنا في لحظة واحدة أسئلة السلامة المرورية، وحماية العمالة غير المنتظمة، والفحص الفني للمركبات، ومسؤولية النقل المرتبط بالعمل، وحماية صغار السن، وفعالية الرقابة.
بعد أيام تهدأ الأخبار، لكن هناك بيوتًا سيظل فيها مكان فارغ، وأسرًا لن تنسى من خرج منها طالبًا الرزق ولم يعد. ولهذا فإن الوفاء الحقيقي للضحايا لا يكون بالدموع وحدها، ولا بالتعويضات مهما بلغت، بل بأن تتحول الفاجعة إلى مراجعة حقيقية ومحاسبة عادلة وإجراءات وقائية قابلة للقياس.
رحم الله من رحلوا، وشفى المصابين، وربط على قلوب أسرهم. هؤلاء لم يطلبوا من الحياة أكثر من فرصة عمل شريفة ورزق حلال.
ولتكن الرسالة التي نخرج بها واضحة: من يخرج إلى العمل ليحفظ كرامة بيته يستحق أن يكون طريقه إلى العمل طريقًا آمنًا إلى الحياة، لا احتمالًا مفتوحًا للموت.