Note: Select your language using the icon
📁 آخر الأخبار

الدلتا الجديدة : مشروع بحجم دولة يعيد رسم الأمن الغذائي والتنمية في مصر

الدلتا الجديدة.. مشروع بحجم دولة يعيد رسم الأمن الغذائي والتنمية في مصر

افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي مشروع الدلتا الجديدة بمحور الشيخ زايد بمحافظة الجيزة، في مشهد وضع واحدًا من أكبر مشروعات التوسع الزراعي والتنمية المتكاملة في مصر أمام الرأي العام بصورة مباشرة. وجاء الافتتاح في ١٧ مايو ٢٠٢٦، وشمل افتتاح محطة رفع المياه رقم ٣ «نبع»، إلى جانب جولة في منظومة التشغيل والتحكم ومناطق حصاد القمح وإنتاج بنجر السكر. [١]

ما شدني في الحدث لم يكن مجرد مشهد الافتتاح. الأرقام نفسها تدفع إلى التوقف: المشروع يستهدف زراعة نحو ٢٫٢ مليون فدان، وذكرت رئاسة الجمهورية أن تكلفته وصلت إلى قرابة ٨٠٠ مليار جنيه، وأن منظومة نقل المياه احتاجت إلى ١٩ محطة رفع رئيسية، مع طرق جديدة بأطوال تصل إلى ١٢ ألف كيلومتر ومحطات لإنتاج الكهرباء بطاقة إجمالية تقارب ٢٠٠٠ ميجاوات. [١]

٢٫٢ مليون فدان مساحة مستهدفة | ١٩ محطة رفع رئيسية | نحو ٨٠٠ مليار جنيه تكلفة معلنة | نحو مليوني فرصة عمل وفق البيانات الرئاسية. [١]

ومن هنا بدأت قراءتي للمشروع. تابعت الافتتاح باهتمام، ثم عدت إلى البيانات الرسمية لأفهم ما وراء المشهد: كيف تحولت مساحة صحراوية واسعة إلى مشروع زراعي وتنموي بهذا الحجم؟ وكيف جرى التعامل مع أصعب عنصر في المعادلة المصرية، وهو المياه؟ وما الذي يمكن أن يضيفه المشروع فعليًا إلى الأمن الغذائي والاقتصاد وفرص العمل؟

الدلتا الجديدة.. المساحة الكبيرة ليست القصة كلها

مشروع الدلتا الجديدة ليس مجرد توسع أفقي في الرقعة الزراعية. ووفق الهيئة العامة للاستعلامات، يمتد المشروع غرب الدلتا القديمة، ويرتبط بمحاور وطرق رئيسية، ويستهدف إجمالًا ٢٫٢ مليون فدان، بما يعادل إضافة تقارب ١٥٪ إلى الرقعة الزراعية الحالية، ويضم في مكوناته مشروعات فرعية من بينها «مستقبل مصر للتنمية المستدامة». [٢]

وهنا تكمن الفكرة الأهم في تقديري: نحن لا نتحدث عن أرض تُزرع فقط، وإنما عن بنية تحتية للمياه والكهرباء والطرق، وربط بين الإنتاج الزراعي والتصنيع والخدمات واللوجستيات والاستثمار. وهذا هو الفارق بين مشروع استصلاح محدود وبين مشروع يراد له أن يخلق نطاقًا تنمويًا جديدًا.

المياه.. التحدي الذي يكشف حقيقة المشروع

مصر دولة ذات موارد مائية محدودة، ولذلك فإن التوسع الزراعي لا يمكن قراءته بمعزل عن سؤال المياه. ووفق البيان الرئاسي، يعتمد جزء رئيسي من المنظومة على تجميع مياه الصرف الزراعي بعد معالجتها معالجة ثلاثية، ثم نقلها عبر مسارات طويلة وباستخدام محطات رفع لمواجهة الميل الجغرافي الطبيعي للأرض. [١]

كما أن محطة الدلتا الجديدة لمعالجة مياه الصرف الزراعي سبق أن دخلت موسوعة جينيس بأرقام قياسية تتعلق بحجم المنشأة وقدرتها التشغيلية، وهو ما يعكس أن ملف المياه ليس عنصرًا جانبيًا، بل أحد أعمدة المشروع الأساسية. [٣]

بالنسبة لي، هذه النقطة أهم من مجرد زيادة عدد الأفدنة. فالقيمة الحقيقية لأي توسع زراعي في مصر ستظل مرتبطة بكفاءة استخدام كل متر مكعب من المياه، ونوعية المحاصيل، والإنتاجية، وقدرة منظومة المعالجة وإعادة الاستخدام على العمل بصورة مستدامة اقتصاديًا وبيئيًا.

الأمن الغذائي لا يعني الاكتفاء الذاتي من كل شيء

من السهل عند الحديث عن مشروع بهذا الحجم أن تتحول اللغة إلى شعارات من نوع «الاكتفاء الذاتي الكامل»، لكنني أرى أن القراءة الأدق مختلفة. الرئيس نفسه أشار خلال الافتتاح إلى صعوبة تحقيق الاكتفاء الذاتي من جميع المحاصيل في مصر أو في أغلب دول العالم، بسبب الاعتبارات المناخية والمائية والبيئية. [١]

ولذلك أفهم الأمن الغذائي هنا باعتباره تعزيز القدرة الوطنية على الإنتاج، وتقليل فجوات الاستيراد حيثما يكون ذلك ممكنًا ومجديًا، وتنويع مصادر الغذاء، ورفع قدرة الدولة على مواجهة اضطرابات الأسواق وسلاسل الإمداد. وهذا أكثر واقعية وأهمية من اختزال القضية في شعار الاكتفاء الذاتي المطلق.

لماذا يأتي المشروع في توقيت شديد الحساسية؟

خلال السنوات الأخيرة واجه العالم اضطرابات في سلاسل التوريد، وتقلبات في أسعار الغذاء والطاقة، وحروبًا وصراعات أثرت في حركة التجارة، إلى جانب آثار التغير المناخي والضغط المتزايد على الموارد. وفي مثل هذا السياق، يصبح الاستثمار في القدرة الزراعية والبنية المائية جزءًا من إدارة المخاطر الاستراتيجية، لا مجرد سياسة قطاعية للزراعة.

ومن هذه الزاوية أرى الدلتا الجديدة مشروعًا للمستقبل أكثر منه مشروعًا للحاضر. فآثاره الحقيقية لن تُقاس بيوم الافتتاح، وإنما بما سيظهر خلال السنوات المقبلة من إنتاجية، وكفاءة استخدام للمياه، وحجم الاستثمارات الخاصة، وقدرة على خلق سلاسل قيمة زراعية وصناعية وفرص عمل مستدامة.

القطاع الخاص وفرص العمل.. اختبار آخر للنجاح

ذكر البيان الرئاسي أن نحو ١٥٠ شركة تعمل في الإنتاج الزراعي داخل المشروع، بخلاف مئات الشركات في أنشطة أخرى، وأن المشروع يوفر نحو مليوني فرصة عمل وصفها الرئيس بأنها فرص مستدامة وليست مؤقتة. [١]

وهذه الجزئية مهمة بالنسبة لي؛ لأن المشروع القومي يكون أكثر قدرة على الاستمرار عندما يتحول من إنفاق على بنية أساسية إلى نشاط اقتصادي منتج يجذب القطاع الخاص، ويخلق وظائف، ويرتبط بالتصنيع والتخزين والنقل والتصدير والأسواق.

ما بين الإعجاب والمحاسبة بالنتائج

لا أخفي أنني تابعت المشروع بإعجاب، وأن حجم ما نُفذ في ظل ظروف اقتصادية وعالمية معقدة يبعث لدي على التقدير. وأقدّر إصرار الدولة والرئيس عبد الفتاح السيسي على الاستمرار في مشروعات طويلة الأجل رغم ما تتطلبه من تمويل وجهد وتنسيق بين مؤسسات عديدة.

لكنني في الوقت نفسه أرى أن أفضل تقدير لأي مشروع قومي كبير هو أن نخضعه دائمًا لمعيار النتائج: كم ينتج؟ كم يوفر من المياه؟ ما كلفة الإنتاج؟ ما العائد الاقتصادي؟ وما أثره الفعلي في أسعار الغذاء وفرص العمل والتنمية؟ فالمشروعات الكبرى لا تحتاج إلى المديح بقدر ما تحتاج إلى أن تثبت نفسها بالأثر المستدام.

وهذا هو السبب الذي يجعلني أعتبر الدلتا الجديدة حدثًا يستحق التوقف أمامه. ليست المسألة مجرد افتتاح أرض جديدة للزراعة، وإنما محاولة لإعادة تشكيل جزء من خريطة الإنتاج والتنمية في مصر، وربط الأرض بالمياه والطاقة والطرق والاستثمار في منظومة واحدة.

وفي تقديري، إذا حافظ المشروع على كفاءة التشغيل والاستدامة المائية والاقتصادية، وتحولت هذه البنية الضخمة إلى إنتاج حقيقي ومستمر، فسيكون من المشروعات التي لا تُقاس فقط بما أُنجز فيها اليوم، وإنما بما ستتركه للأجيال القادمة.

فالدول لا تبني أمنها الغذائي بقرار مؤقت، وإنما بمشروعات تعرف كيف تحول التحديات إلى قدرة إنتاجية تدوم.

#د_هشام_منصان #خبير_قانوني #الدلتا_الجديدة #مشروع_الدلتا_الجديدة #مصر #الأمن_الغذائي #التنمية_المستدامة #إدارة_المياه #الزراعة_المصرية #مستقبل_مصر #New_Delta #Egypt #Food_Security
Dr.Hisham Mensan
Dr.Hisham Mensan
تعليقات