تمهيد
ليس أخطر ما يواجه العدالة أن يقع الخطأ، وإنما أن يقع في موضع يفترض فيه أن يكون الملاذ الأخير لتصحيح أخطاء الآخرين؛ فالحكم القضائي حين يصيب يرسخ الثقة في دولة القانون، وحين يخطئ قد تمتد آثاره إلى الحرية والمال والمركز القانوني للإنسان.
ومن هنا ظل موضوع الخطأ القضائي من أكثر الموضوعات القانونية حساسية؛ لاتصاله المباشر بوظيفة القضاء في حماية الحقوق والحريات وإنفاذ القانون. وقد انصبت جهود الفقه والتشريع والقضاء على وضع ضمانات تحد من احتمال وقوع الخطأ، وتوفر وسائل لاكتشافه وتصحيحه، وتحدد – عند الاقتضاء – نطاق المسؤولية والحق في التعويض.
ولا تكفي، في تقديري، معالجة آثار الخطأ بعد وقوعه؛ فالمقصد الأسبق هو بناء منظومة تقلل احتمالات حدوثه ابتداءً، ثم تكفل كشفه وتصحيحه متى وقع، وتحدد بصورة منضبطة من يتحمل تبعته القانونية. ومن ثم تقوم هذه الدراسة على تحديد مفهوم الخطأ القضائي، وتشخيص أهم مواضعه وآليات اكتشافه، ثم بحث المسؤولية المترتبة عليه ووسائل جبر الضرر.
وقد قُدمت هذه الدراسة في إطار ملتقى دولي معني بعرض التجارب المقارنة، ولذلك اتخذت من التجربة المصرية نموذجًا عربيًا للتحليل، مع بيان ما كشف عنه التطبيق من مزايا وإشكالات، وإدراج التحديثات التشريعية اللاحقة في مواضعها دون المساس بالبناء الأصلي للبحث.
أهمية الدراسة
تنبع أهمية الدراسة من المكانة الدستورية والوظيفية للقضاء بوصفه ضمانة أساسية لسيادة القانون وحماية الحقوق والحريات، ومن ثم فإن سلامة العمل القضائي تمثل أحد المرتكزات الجوهرية لاستقرار الدولة القانونية.
كما تتصل أهميتها بالحاجة إلى تحديد صور الخطأ القضائي وآثاره، وتشخيص أسبابه، وبيان الآليات القانونية والمؤسسية الكفيلة بمنعه أو الحد من وقوعه، ثم معالجة آثاره متى تحقق.
أهداف الدراسة
تستهدف الدراسة تحديد مفهوم الخطأ القضائي وتمييزه عن غيره من صور الخطأ المهني، وبيان الآثار التي قد تترتب عليه، وتحليل وسائل كشفه وتصحيحه والوقاية منه، مع تقويم الأدوات التي أخذ بها النظام القضائي المصري في هذا المجال ومدى كفايتها لتحقيق العدالة في إطار دولة القانون.
محاور الدراسة
تنتظم الدراسة في ثلاثة محاور رئيسية هي:
- الخطأ القضائي والمقصود به فقهاً وقضاء
- آليات تحديد وتشخيص الخطأ القضائي
- تحديد المسؤولية عن الخطأ القضائي والتعويض عنه
وتتم معالجة هذه المحاور في ضوء التجربة المصرية، مع إبراز جوانب القوة ومواطن القصور في التنظيم والتطبيق، وبما يتفق مع الغرض المقارن للملتقى الذي قُدمت فيه الدراسة.
المبحث الأول: المقصود بالخطأ القضائي في النظام المصري
إن السلطة القضائية هي الحارس الطبيعي لحقوق الأفراد وحرياتهم، وهي التي تمنح القاعدة القانونية فعاليتها العملية وقوتها الإلزامية؛ إذ لا تكفي النصوص المجردة ما لم توجد سلطة مستقلة تكفل تطبيقها والفصل في المنازعات الناشئة عنها
(١).
ومع ما أحاط به المشرع العمل القضائي من ضمانات وقواعد إجرائية تستهدف سلامة الحكم، يظل احتمال الخطأ قائمًا بحكم الطبيعة البشرية للعمل القضائي، وهو ما يبرر تعدد وسائل المراجعة والتصحيح.
تطور قانوني ذي صلة بالمفهوم: اتسع البناء الدستوري المصري بعد إعداد الدراسة بما يعزز ضرورة الفصل بين مجرد الخطأ الذي يؤدي إلى تعديل الحكم أو إلغائه وبين الخطأ المهني الجسيم الموجب للمساءلة. فالدستور يربط سيادة القانون باستقلال القضاء وحيدته، ويكفل المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع، ويقرر استقلال السلطة القضائية والقضاة مع خضوع مساءلتهم للضوابط التي يحددها القانون. وعلى هذا الأساس، قد يصحح الحكم بطريق الطعن لخطأ في تطبيق القانون أو تقدير الوقائع، من غير أن يعني ذلك بذاته ثبوت خطأ مهني جسيم أو مسؤولية شخصية في جانب القاضي.
(٢٤)
اولاً: التعريف الفقهي للخطأ القضائي:
يذهب البعض إلى تعريف الخطأ المهني الجسيم للقاضي كونه الخطأ الذي ينطوي على الإهمال وعدم التبصر الذي يبلغ من الجسامة حدا يجعل له أهمية الخاصة. بحيث أن الخطأ المهني الجسيم للقاضي هو وقوعه في الخطأ الفادح أو الإهمال المفرط ما كان له أن يقع فيهما لو اهتم بواجباته بالشكل المطلوب
(٢)
وأذكر هنا، إن الخطأ المهني الجسيم للقاضي في نطاق المسؤولية التأديبية يشترط وجود فعل مادي إيجابي أو سلبي صادر عنه وأيضا يشترط تحقق الركن المعنوي وهو توافر سوء النية لديه، إلا أن بعض الفقه يذهب إلى عدم اشتراط هذا العنصر لتحقق الخطأ بحيث أن المخالفة قد تكون عمدية أو تقصيرية.
كما يذهب البعض إلى أن الركن المعنوي في الجريمة التأديبية يتمثل في صدور فعل إيجابي أو سلبي عن إرادة اثمة، فإن كان هناك تعمد كان الركن المعنوي هو القصد وإذا انصرفت الإرادة إلى نشاط دون نتيجة كان الركن المعنوي هو الخطأ وأن الخطأ الجسيم أو الفاحش هو الذي يبرر تحريك المسؤولية التأديبية دون الخطأ العادي الذي يمكن لأي أحد الوقوع فيه سواء كان طبيبا أو قاضيا أو محاميا
(٣)
وبناء على ذلك يمكن تعريف الخطأ المهني القضائي الموجب للمسؤولية التأديبية بأنه ذلك الانحراف الخطير عن الحد الأدنى للمبادئ المهنية الأساسية أو الخرق الفاضح لقواعد القانون أو الجهل الذي لا يغتفر للوقائع الثابتة في ملف الدعوى.
ويكشف هذا التصور الفقهي أن وصف الخطأ بأنه «قضائي» لا يكفي وحده للقول بقيام مسؤولية القاضي؛ إذ ينبغي التفرقة بين الخطأ الذي يقع في الحكم أو الإجراء ويمكن تداركه بوسائل المراجعة والطعن، وبين الخطأ المهني الذي يبلغ من الجسامة حدًّا يكشف عن إخلال غير مألوف بواجبات الوظيفة القضائية. وتظهر أهمية هذا التمييز في حماية مبدأين متلازمين: حق المتقاضي في تصحيح الخطأ من ناحية، واستقلال القاضي في الاجتهاد والتقدير دون تهديد دائم بالمسؤولية من ناحية أخرى.
ومن الناحية العملية، فإن الخطأ في تفسير نص يحتمل أكثر من وجه، أو اختلاف محكمة الطعن مع محكمة أول درجة في تقدير الدليل، لا يساوي بذاته خطأً مهنيًا جسيمًا. أما المسؤولية فتفترض – بحسب الطريق القانوني الذي تُثار من خلاله – درجة من الانحراف تتجاوز الخلاف القضائي المعتاد، وهو ما يفسر إحاطة المشرع لدعوى المخاصمة بضوابط استثنائية وعدم جعلها طريقًا موازيًا للطعن في الأحكام.
تحديث أغسطس ٢٠٢٦: لا ينبغي مساواة الخطأ المهني الجسيم بسوء النية على إطلاقه. فقانون المرافعات في المادة ٤٩٤ يورد الغش أو التدليس أو الغدر من جهة، والخطأ المهني الجسيم من جهة أخرى، كأسباب مستقلة للمخاصمة؛ ومن ثم فإن توافر الخطأ الجسيم لا يتوقف بذاته على إثبات سوء النية.
ثانياَ: المفهوم القضائي للخطأ القضائي
يذهب القضاء المصري إلى تعريف الخطأ المهني الجسيم بأنه هو الخطأ الذي ما كان يرتكبه القاضي لو أنه اهتم بعمله اهتمام القاضي العادي.
ويذهب قرار لمحكمة النقض المصرية إلى تعريف الخطأ المهني الجسيم بأنه هو الخطأ الذي يقع فيه أي شخص قليل الذكاء والعناية بحيث لا يتصور وقوعه إلا من شخص غبي عديم الاكتراث
(٤).
والملاحظ هنا تأكيد كلا من الفقه القضاء على مسألة الخطأ الجسيم في الذي يجعل من الخطأ سببا للمسؤولية، إلا أنه وكما سنعرض لاحقا ليس معني تحمل المسؤولية في ارتكاب الخطأ أن يستتبع هذا التعويض عن هذا الخطأ، بل فقط يكون له اثر في تحديد المسؤولية تجاه القاضي.
ويؤكد المفهوم القضائي بدوره أن معيار الجسامة ليس مجرد معيار لغوي، وإنما هو أداة للفصل بين خطأ الحكم الذي يعالجه نظام الطعن وبين خطأ القاضي الذي قد يفتح – استثناءً – باب المساءلة. ولذلك لا يجوز الاستدلال على الخطأ المهني الجسيم من مجرد إلغاء الحكم أو نقضه؛ فمحكمة الطعن قد تتدخل لتصحيح تطبيق القانون أو تقدير إجراء من الإجراءات دون أن تنسب إلى القاضي إخلالًا مهنيًا يوجب مخاصمته.
ومن ثم فإن البناء الأدق لمفهوم الخطأ القضائي يقوم على مستويين: مستوى موضوعي يتعلق بسلامة الحكم أو الإجراء ومدى مطابقته للقانون، ومستوى شخصي أو مهني يتعلق بسلوك القاضي ذاته ومدى خروجه خروجًا جسيمًا عن مقتضيات الوظيفة. وهذا التمييز سيظل حاضرًا عند بحث آليات كشف الخطأ ثم عند الانتقال إلى المسؤولية والتعويض.
المبحث الثاني: آليات تحديد وتشخيص الخطأ القضائي
مما لا شك فيه أن هناك اجماع على إمكانية حدوث خطأ إبان ممارسة العمل القضائي استنادا أنه من أعمال البشر الغير منزهة عن الخطأ.
وعليه فقد كان المشرع حريصا على وضع آليات من شأنها تحديد الخطأ بغرض تفادي الأضرار الناتجة عنه ومن باب اولي منع تكراره في الحالات المماثلة.
وإذا ما تم البحث عن الآليات التي يمكن من خلالها تحديد الخطأ القضائي فإنني ومن وجهة نظري اري أن هناك نوعان من تلك الآليات
وهذا التقسيم لا يقوم على طبيعة الخطأ ذاته بقدر ما يقوم على الجهة التي تكشفه والمرحلة التي يتم فيها ذلك؛ فالآليات الخارجية تتحرك من خلال الخصوم واستعمالهم لوسائل المراجعة والطعن، بينما تعمل الآليات الداخلية من داخل التنظيم القضائي لمتابعة الأداء والكفاية والانضباط المهني. وتتكامل الآليتان؛ لأن الطعن يصحح الحكم في الخصومة المحددة، في حين يسمح التفتيش والمتابعة المؤسسية باستخلاص أوجه القصور المتكررة والعمل على الحد من تكرارها.
الآليات الخارجية لكشف وتحديد الخطأ القضائي
وأقصد بها تلك الآليات التي وضعها المشرع كضمانة للمتقاضيين في حالة ما إذا ارتأوا أن هناك خطأ ما من القاضي، وبرغم أنها تعد من قبيل الطرق العادية للطعن، وبرغم أن من ينظر هذه الطعون هو قاضي آخر ربما في درجة اعلي في السلم القضائي، إلا أنني اعتبرها من الآليات الخارجية في حاله ما إذا نظرنا إلى الجهة التي بادرت في كشف او طرح موضوع الخطأ، وتلك الآليات كما هو معلوم تكون كالاتي:
- بالنسبة للقضاء المدني: فلا يخرج الامر في الطرق العادية عن الطعن بالاستئناف والطعن بالنقض
- بالنسبة للقضاء الجنائي: فلا يخرج الامر في الطرق العادية عن المعارضه والاستئناف والنقض
- بالنسبة لقضاء الادارى: فلا يخرج الامر في الطرق العادية عن الطعن امام المحكمة الأعلى درجة ثم الطعن امام المحكمة الإدارية العليا.
ولا تؤدي هذه الوسائل الوظيفة ذاتها على نحو واحد. ففي القضاء المدني يسمح الاستئناف – في الأحوال التي يجيزها القانون – بإعادة طرح النزاع من حيث الواقع والقانون أمام محكمة أعلى، بينما يتركز دور محكمة النقض أساسًا على مراقبة صحة تطبيق القانون والإجراءات. وفي المجال الجنائي تتدرج آليات المراجعة بحسب نوع الحكم وطبيعته، وقد أصبحت مراجعة أحكام الجنايات أكثر عمقًا بعد إدخال درجة الاستئناف. أما في القضاء الإداري فإن تحديد طريق الطعن يتوقف على نوع المحكمة التي أصدرت الحكم وموقعها في تدرج محاكم مجلس الدولة.
والأهم في موضوع هذه الدراسة أن الطعن لا يفترض اتهام القاضي بالخطأ المهني؛ بل هو ضمانة موضوعية مقررة للخصوم ولحسن سير العدالة. فإذا ألغت المحكمة الأعلى الحكم أو عدلته، فإن أثر ذلك ينصرف ابتداءً إلى تصحيح النتيجة القضائية في الدعوى، ولا ينتقل إلى دائرة المسؤولية الشخصية إلا إذا توافرت أسبابها وشروطها المستقلة.
وحيث انني يهمني في المقام الأول التركيز عن آليات اكتشاف الخطأ بشكل عام، ونظرا لضيق الوقت فإنني سوف أحيل الحديث عن طرق الطعن العادية كاليه لكشف وتحديد الخطأ القضائي إلي دراسات أخرى متخصصة يمكن تقديمها في مناسبات أخرى.
تحديث أغسطس ٢٠٢٦: الوصف السابق يجمع بين طرق طعن تختلف في طبيعتها. فالاستئناف والمعارضة – حيث تجوز – من طرق الطعن العادية في التقسيم الإجرائي التقليدي، بينما النقض وإعادة النظر من طرق الطعن غير العادية. كما أن مسارات الطعن أمام مجلس الدولة تختلف باختلاف نوع المحكمة ودرجة الحكم، ولا يصح اختزالها في مسار واحد.
وقد كشف التطبيق العملي عن أهمية ألا تبقى الجناية – بما تنطوي عليه من جسامة الاتهام والعقوبة – محصورة بين حكم موضوعي واحد ثم رقابة النقض القانونية. ومن هنا جاء التطور التشريعي ليضيف درجة موضوعية ثانية تعيد فحص الدعوى ذاتها، وهو تطور يرتبط مباشرة بفكرة الحد من الخطأ القضائي؛ لأن تصحيح الخطأ في الوقائع أو تقدير الأدلة يحتاج في كثير من الأحيان إلى محكمة موضوع أخرى، لا إلى رقابة قانونية مجردة.
التعديل التشريعي المرتبط بذلك: تنفيذًا للاستحقاق الدستوري المتعلق باستئناف أحكام الجنايات، صدر القانون رقم ١ لسنة ٢٠٢٤، فأصبح لكل من النيابة العامة والمتهم – في الحدود التي رسمها القانون – استئناف الأحكام الحضورية الصادرة من محكمة جنايات أول درجة أمام محكمة جنايات مستأنفة. وبذلك أضيفت طبقة موضوعية جديدة لمراجعة الحكم قبل الوصول إلى محكمة النقض، وهو ما يوسع فرصة اكتشاف الخطأ وتصحيحه داخل البناء القضائي ذاته.
(٢٥)
ولا يقتصر الحد من الخطأ القضائي على مرحلة الطعن بعد صدور الحكم؛ فالخطأ قد يبدأ من إجراء سابق على المحاكمة، مثل قرار مقيد للحرية، أو قصور في تمكين الدفاع، أو خلل في إدارة الدليل. لذلك فإن التشريع الإجرائي الحديث اتجه إلى تقوية الضمانات منذ مرحلة التحقيق، بحيث تصبح الوقاية من الخطأ جزءًا من بنية الإجراءات نفسها قبل أن يتحول الخلل إلى حكم نهائي.
المستجد التشريعي المرتبط بهذه الفكرة: في هذا السياق صدر قانون الإجراءات الجنائية رقم ١٧٤ لسنة ٢٠٢٥، المقرر بدء العمل به في ١ أكتوبر ٢٠٢٦، متضمنًا – وفق النصوص والبيانات الرسمية المصاحبة لإصداره – توسيع بدائل الحبس الاحتياطي، وتعزيز المراجعة الدورية لبعض حالات الحبس، وزيادة ضمانات الدفاع، وتنظيم الاستفادة من وسائل تقنية المعلومات في التحقيق والمحاكمة. وهذه المستحدثات لا تُذكر هنا لمجرد تحديث رقم القانون؛ بل لأنها تنقل سياسة الحد من الخطأ من العلاج اللاحق إلى الوقاية الإجرائية المبكرة.
(٢٦)
الآليات الداخلية لكشف وتحديد الخطأ القضائي
وأقصد بها تلك الآليات التي تكون من داخل مؤسسة القضاء والتي يكون من ضمن مهامها الكشف عن الأخطاء الوارد حدوثها والتي وضع لها النظام القضائي نظاماً خاصا حدد فيها أوجه الاختصاص وكيفيه تحديد المسؤولية وما يترتب عليها على النحو الذي ساورها بشكل مركز خلال هذا المبحث.
ومن أهم تلك الآليات المعمول بها وفقًا للنظام المصري نظام التفتيش القضائي وهو نظام معمول به في الكثير من البلدان رغم ما قُدم إليه من أوجه نقض تعتمد في أساسها على أنها تنقص من مبدأ استقلال القضاء، إلا أنه ورغم ذلك يبقي الآلية الأكبر فيما يتعلق بتحديد وتشخيص الخطأ القضائي.
ولا ينبغي فهم التفتيش القضائي باعتباره درجة طعن خفية في الأحكام؛ فوظيفته تختلف عن وظيفة محكمة الطعن. المحكمة الأعلى تفصل في صحة الحكم وآثاره في الخصومة، أما التفتيش فيتصل – في نطاقه القانوني – بتقييم الأداء والكفاية والالتزام بواجبات الوظيفة ورصد مواطن القصور المهني. ومن هنا تأتي قيمته في الوقاية المؤسسية: فقد يكشف نمطًا متكررًا من التأخير أو القصور أو ضعف الأداء يستدعي التوجيه أو التدريب أو المساءلة وفق الأحوال.
وفي الوقت ذاته، فإن فعالية التفتيش مرهونة بألا يتحول إلى أداة تمس استقلال القاضي في تكوين عقيدته. لذلك يظل التحدي القانوني هو إقامة التوازن بين الرقابة على حسن أداء الوظيفة القضائية وبين عدم التدخل في جوهر العمل القضائي الذي لا يُراجع إلا بالطرق التي رسمها القانون.
تحديث أغسطس ٢٠٢٦: وحرصًا على الدقة في عرض النظام المصري، يلزم التمييز بين التفتيش القضائي على أعمال القضاة وبين التفتيش القضائي على أعمال أعضاء النيابة العامة؛ فلكل منهما إطار تنظيمي ووظيفي لا ينبغي الخلط بينه وبين الآخر.
أولًا: التفتيش القضائي على أعمال القضاة
تنص المادة ٧٨ من قانون السلطة القضائية رقم ٤٦ لسنة ١٩٧٢ – وفق النص القائم – على تشكيل إدارة بوزارة العدل للتفتيش القضائي على أعمال القضاة والرؤساء بالمحاكم الابتدائية، وأن يضع وزير العدل لائحة التفتيش القضائي بموافقة مجلس القضاء الأعلى. كما ينظم النص تقدير الكفاية ودورية التفتيش وإيداع تقاريره.
(٥)
ويُفهم من هذا التنظيم أن التفتيش على القضاة يجمع بين وظيفة تقييم الكفاية ووظيفة المتابعة المهنية، لكنه لا يحل محل طرق الطعن ولا يمنح جهة التفتيش سلطة تعديل الحكم القضائي. فإذا كان العيب متعلقًا بالحكم ذاته، كان تصحيحه من اختصاص المحكمة المختصة بالطعن؛ أما إذا كشف الأمر عن إخلال مهني جسيم أو نمط أداء يثير المساءلة، انتقل الموضوع إلى المسار الوظيفي أو التأديبي المقرر قانونًا.
ثانيًا: التفتيش القضائي بالنيابة العامة
توجد بالنيابة العامة المصرية إدارة للتفتيش القضائي تتولى أدوارًا تتصل بمتابعة الأداء الفني والإداري لأعضاء النيابة والتدريب والتطوير المؤسسي، وتؤكد البيانات الرسمية الحديثة استمرار نشاطها في عام ٢٠٢٦.
(٦)
وتزداد أهمية هذا المسار بالنسبة لأعضاء النيابة لأن أعمالهم تتنوع بين التحقيق والاتهام والتصرف في الدعوى والإشراف على بعض إجراءات الاستدلال والتنفيذ. ومن ثم فإن جودة الأداء في هذه المرحلة تؤثر مباشرة في سلامة المادة التي تُعرض لاحقًا على المحكمة؛ فكلما كان التحقيق منضبطًا، والأدلة مجمعة ومختبرة في إطار الضمانات القانونية، قل احتمال انتقال خطأ إجرائي أو موضوعي إلى مرحلة المحاكمة.
ومن ثم فإن تقييم دور التفتيش القضائي في الحد من الخطأ يقتضي مراعاة هذا الفصل المؤسسي بين القضاة وأعضاء النيابة العامة، وعدم نسبة هيكل تنظيمي أو اختصاصات تفصيلية إلى النظام المصري ما لم يثبت سندها التنظيمي المصري.
وباستقراء الإطار القائم يتضح أن التفتيش القضائي يظل إحدى أدوات متابعة الكفاية والأداء، لكنه لا يمكن بطبيعته أن يستبعد الخطأ القضائي كليًا، وإنما يعمل – إلى جانب طرق الطعن وضمانات التقاضي والمساءلة – على تقليل احتمالاته وآثاره.
تحديث أغسطس ٢٠٢٦: وأرى – كتوصية بحثية – أهمية تعزيز الضمانات المؤسسية التي تكفل استقلال التفتيش وموضوعيته. أما من حيث الوضع التشريعي القائم حتى أغسطس ٢٠٢٦، فما زالت المادة ٧٨ من قانون السلطة القضائية تنص على تشكيل إدارة التفتيش القضائي على القضاة بوزارة العدل، مع اشتراط موافقة مجلس القضاء الأعلى على لائحتها.
(٧)
المبحث الثالث: المسؤولية عن الخطأ القضائي والتعويض عنه
بشأن المسؤولية عن الخطأ القضائي فإنه ينبغي الإشارة بأن الحديث سوف يكون عن الأعمال القضائية بصفة عامه، وعليه فلن يقتصر الحديث عن الحكم الذي يفصل في خصومة وإنما يمتد لأعمال أخرى للقاضي كما يشمل أيضا أعمال النيابة العامة وهيئه المفوضين وأعمال الضبطية القضائية.
وعلي هذا فإنني سوف اقسم هذا المبحث على النحو الآتي:
إضافة قانونية – أغسطس ٢٠٢٦: يقتضي ضبط المسؤولية عن الخطأ القضائي الفصل بين ثلاث دوائر قانونية مستقلة نسبيًا: الأولى تصحيح الحكم أو إلغاؤه عن طريق الطعن، والثانية مساءلة القاضي شخصيًا أو تأديبيًا في الحالات التي يحددها القانون، والثالثة تعويض المضرور على عاتق الدولة أو المسؤول في الحالات التي يقررها التشريع. ولا يؤدي تحقق الدائرة الأولى بذاته إلى ثبوت الثانية، كما لا ينشأ حق التعويض تلقائيًا لمجرد إلغاء الحكم ما لم يتوافر سنده القانوني وشروطه.
وهذا الفصل ضروري لفهم المبحث كله؛ لأن عبارة «المسؤولية عن الخطأ القضائي» قد توحي خطأً بأن كل حكم يُلغى ينتج عنه تعويض. والصحيح أن النظام القانوني يتعامل مع كل دائرة بأداة مختلفة: الطعن لتصحيح الحكم، والمخاصمة أو التأديب للمساءلة في نطاقها الاستثنائي، ودعوى التعويض حيث يوجد نص أو أساس قانوني يقرر جبر الضرر. وعلى هذا التدرج ينبغي قراءة الفروع الآتية.
أولًا: القاعدة العامة في تحديد مسؤولية السلطة القضائية
أ- أعمال القضاة
القاعدة العامة هي عدم المسؤولية على أعمال القضاة في كل المحاكم سواء كانت تابعة للقضاء العادي بدوائره المختلفة المدنية والجنائية والتجارية والشرعية او محاكم مجلس الدولة أو القضاء الاستثنائي كالمحاكم العسكرية وكذلك أمام المحكمة الدستورية العليا.
والأساس الذي تقوم عليه هذه القاعدة التقليدية ليس منح القاضي امتيازًا شخصيًا، وإنما حماية الوظيفة القضائية من أن تتحول كل خصومة خاسرة إلى دعوى مسؤولية ضد من أصدر الحكم. فاستقلال القضاء يقتضي أن يباشر القاضي سلطته في الفهم والتقدير دون خشية من الرجوع عليه لمجرد أن محكمة أعلى أخذت برأي قانوني مختلف. ولذلك تكون طرق الطعن هي المسار الطبيعي لتصحيح الحكم، بينما لا تُفتح المسؤولية الشخصية إلا في النطاق الاستثنائي الذي رسمه القانون.
كذلك يسري مبدأ عدم المسؤولية على جميع أعمال القاضي سواء كانت أحكاما بالمعني الفني أو أعمال تمهيدية أو تحضيرية للأحكام كالقرارات الصادرة في طلبات الإعفاء من الرسوم القضائية أو بتعين خبير أو بإحالة الدعوى للتحقيق في أحوال الإنكار.
كما تغطي قاعدة عدم المسؤولية الإجراءات المتعلقة بتنفيذ الأحكام حيث تعد امتداد للأحكام المراد تنفيذها فتأخذ نفس طبيعتها القضائية وعلي ذلك فإن قرارات التصديق على الأحكام تعد قرارات قضائية لا إدارية سواء صدرت من رئيس الجمهورية أو من الوزراء، وتطبيقا لذلك حكم مجلس الدولة المصري بعدم اختصاصه بنظر الدعوى المرفوعة ضد وزير الداخلية بالتصديق على حكم المجلس الملي
(٨)
غير أن قاعدة عدم المسؤولية لا تسري بالنسبة لأعمال القضاة الصادرة منهم في شؤون الموظفين الكتابيين الخاضعين لهم كترقيات وتأديبهم حيث يعتبرها القضاء أعمالًا إدارية يجوز الطعن فيها إلغاء وتعويضاً.
(٩)
وكذلك لا تسري قاعدة عدم المسؤولية بالنسبة للقرارات الصادرة في شؤون القضاة الوظيفية حيث يختص القضاء بنظرها إلغاء وتعويضا
(١٠)
ويكشف هذا الاستثناء عن معيار مهم، هو أن الحماية المرتبطة بالعمل القضائي تتصل بطبيعة التصرف لا بمجرد صفة من صدر عنه. فإذا صدر عن جهة قضائية تصرف إداري يتعلق بإدارة المرفق أو بالشؤون الوظيفية، أمكن أن يخضع للقواعد والرقابة المقررة للأعمال الإدارية بحسب الاختصاص، بينما تظل الأحكام والقرارات القضائية في نطاق النظام الخاص بمراجعتها.
ب- أعمال النيابة العامة وهيئة المفوضين
· أعمال النيابة العامة:
لقد فرق القضاء المصري ومعه جانب كبير من الفقه بين أعمال النيابة العامة القضائية وغيرها من أعمال إدارية إذ أن الأولي لا تخضع للمسؤولية على عكس الثانية، ولقد أخذ بتلك التفرقة كلا من القضاء العادي والقضاء الإداري المصري
(١١)
وتنبع أهمية هذه التفرقة من تعدد وظائف النيابة العامة؛ فهي ليست جهة إدارية محضة، بل تباشر أعمالًا تتصل مباشرة بالدعوى الجنائية والتحقيق والاتهام، إلى جانب أعمال تنظيمية وإدارية. ولذلك فإن تحديد طبيعة العمل محل النزاع يسبق تحديد قواعد المسؤولية عنه: فما كان جزءًا من الوظيفة القضائية أو متصلًا اتصالًا مباشرًا بها لا يُعامل بالضرورة معاملة القرار الإداري، والعكس صحيح بالنسبة إلى الأعمال الإدارية البحتة.
· أعمال هيئة مفوضي الدولة:
تختص هيئه مفوضي الدولة أمام مجلس الدولة المصري بتحضير الدعاوي وتهيئتها للمرافعة والفصل في طلبات الإعفاء من الرسوم القضائية، وعرض تسوية النزاع على طرفي الخصومة على أساس الثابت من المبادئ التي قررتها المحكمة الإدارية العليا، وإعداد تقرير يحدد فيه وقائع الدعوى والمسائل التي يثيرها النزاع.
وعلي هذا فإن التفرقة بين أعمالها كما هو الشأن بالنسبة للنيابة العامة لا محل له حيث تُعد كل أعمالها أعمالًا قضائية وهو ما استقر عليه القضاء في مصر.
(١٢)
وتتصل هذه الطبيعة بوظيفة الهيئة في تهيئة المنازعة الإدارية للمحكمة وتقديم الرأي القانوني فيها، وهي أعمال تدخل في سير الخصومة القضائية ذاتها. ومن ثم فإن مساءلة الهيئة أو أعضائها لا تُبنى على مجرد اختلاف المحكمة مع التقرير أو الرأي الذي انتهى إليه المفوض؛ فالاختلاف في التكييف أو الرأي القانوني يظل جزءًا من النشاط القضائي ما لم يقترن بسبب مستقل للمساءلة يقرره القانون.
ت- أعمال رجال الضبط
- بالنسبة لأعمال الضبط القضائي
يمكن القول بأن القضاء العادي يميل إلي تقرير مسؤولية الدولة عن أعمال الضبط القضائي.
(١٣)
ويقتضي فهم هذا الاتجاه النظر إلى وظيفة الضبط القضائي ذاتها؛ فهي تبدأ عند وقوع الجريمة أو الاستدلال عليها وتخدم الدعوى الجنائية، ولذلك ترتبط أعمال مأموري الضبط في هذه المرحلة بالمنظومة الإجرائية الجنائية وبالرقابة التي يقررها القانون على إجراءات القبض والتفتيش وجمع الاستدلالات. فإذا شاب الإجراء عيب، فقد يترتب عليه أثر داخل الدعوى – كالبطلان أو استبعاد الدليل بحسب الأحوال – وقد تثار إلى جانبه المسؤولية متى قام أساسها المستقل.
أما بالنسبة لمجلس الدولة المصري فقد درج منذ إنشاؤه على اعتبار أعمال الضبطية القضائية أعمالًا تخرج من رقابته إلغاء وتعويضا.
(١٤)
- بالنسبة لأعمال الضبط الإداري
من المستقر فقها وقضاء أن هذا النوع من الأعمال تعد أعمالًا إدارية وليست قضائية، وبالتالي فإنها تخضع لمبدأ مسؤولية الدولة عنها وهذا ما توترت عليه أحكام القضاء الإداري
(١٥) المصري والقضاء العادي أيضا
(١٦)
أما الضبط الإداري فيستهدف – في الأصل – المحافظة على النظام العام ومنع الاضطراب قبل وقوع الجريمة، ولذلك يظل أقرب إلى نشاط الإدارة منه إلى مباشرة الدعوى الجنائية. ويترتب على هذا الاختلاف الوظيفي اختلاف في جهة الرقابة والقواعد التي تحكم المسؤولية. والعبرة هنا ليست بصفة رجل السلطة العامة، بل بطبيعة المهمة التي كان يباشرها وقت صدور التصرف محل البحث.
ث- أعمال المحضرين والكتبة والخبراء
لقد أقر القضاء المصري مسؤولية الدولة عن أعمال المحضرين والكتبة والخبراء وذلك على غرار المسؤولية المقررة على الموظفين العموميين
(١٧) (١٨)
ويُفسر ذلك بأن هذه الأعمال – مع اتصالها بمرفق العدالة – لا تنطوي في ذاتها على سلطة الفصل في الخصومة التي تستوجب الحماية الخاصة المقررة للقاضي. فخطأ الإعلان أو القيد أو التنفيذ أو العمل الفني للخبير يمكن أن يحدث ضررًا مستقلًا عن مضمون الحكم، ومن ثم يكون بحث المسؤولية عنه أقرب إلى القواعد التي تحكم أداء العاملين بالمرفق العام، مع مراعاة طبيعة كل عمل والنصوص الخاصة المنظمة له.
ثانيًا: الاستثناءات الواردة على مبدأ عدم المسؤولية عن الخطأ القضائي في النظام المصري
وإذا كانت القاعدة التقليدية قد أحاطت الأعمال القضائية بقيود مشددة على تقرير المسؤولية، حمايةً لاستقلال القضاء واستقرار الأحكام، فإن هذه القاعدة ليست مطلقة؛ إذ أقر النظام القانوني المصري حالات استثنائية تسمح بالمخاصمة أو بالتعويض متى توافرت شروطها القانونية.
وتختلف هذه الاستثناءات في أساسها وآثارها؛ فبعضها يتعلق برد الاعتبار أو جبر الضرر الناشئ عن تقييد الحرية، وبعضها يرتبط بطريق المخاصمة الاستثنائي عند تحقق أحد أسبابه القانونية. ولذلك لا ينبغي جمعها تحت فكرة واحدة عامة للتعويض، بل يلزم تحديد مصدر الحق في كل حالة، والجهة التي تتحمل التعويض، وشروط استحقاقه، والطريق الإجرائي للمطالبة به.
أ – المسؤولية في حالة براءة المحكوم عليه بحكم جنائي نهائي
لقد أخذ المشرع المصري بآلية التماس إعادة النظر كطريق غير عادي للطعن على الأحكام إلا أن المشرع لم يمنح للمتهم الذي حكم ببراءته الحق في الحصول على تعويض من الدولة عن الأضرار التي لحقته من جراء الحكم الصادر بالإدانة وذلك بالرغم من مشروع قانون الإجراءات الجنائية كان ينص على مبدأ مسؤولية الدولة في هذه الحالة
(١٩).
توضيح لازم عند تحديث الصياغة الأصلية: تُقرأ العبارة السابقة في حدود غياب تنظيم مباشر ومكتمل للمطالبة بالتعويض، وليس بمعنى خلو القانون وقت إعداد البحث من أي إقرار بمبدأ التعويض؛ إذ كانت المادة ٣١٢ مكررًا – المضافة بالقانون رقم ١٤٥ لسنة ٢٠٠٦ – قد قررت نشر الحكم البات بالبراءة أو الأمر بألا وجه في الحالات المبينة بها، ونصت على عمل الدولة على كفالة مبدأ التعويض المادي وفق قواعد وإجراءات يصدر بها قانون خاص. ومن ثم كان النقص الحقيقي آنذاك في آلية الاستحقاق والتنفيذ التفصيلية، لا في الاعتراف التشريعي بالمبدأ ذاته. (٢٨)
وفي التنظيم الذي كان قائمًا عند إعداد البحث، عالج المشرع أثر البراءة الصادرة بطريق إعادة النظر من زاوية النشر ورد الاعتبار المعنوي، دون أن يقيم في هذا الموضع نظامًا عامًا ومباشرًا للتعويض عن الضرر الناشئ عن الحكم الذي أُلغي.
وهنا يلزم الفصل بين حالتين كانتا موزعتين على نصوص مختلفة: فالمادة ٤٥٠ عالجت نشر حكم البراءة الصادر بناءً على إعادة النظر، بينما المادة ٣١٢ مكررًا عالجت نشر البراءة لمن سبق حبسه احتياطيًا أو صدور أمر بألا وجه، وأشارت إلى مبدأ التعويض المادي. ولذلك كان التنظيم القديم يوفر صورًا من رد الاعتبار ويعترف بالمبدأ، لكنه لم يكن قد أقام منظومة تشريعية تفصيلية تحدد على نحو مباشر حالات التعويض وقواعد رفع دعواه على الصورة التي جاء بها القانون الجديد.
النص التشريعي النافذ حتى ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦ – المادة ٤٥٠ من قانون الإجراءات الجنائية: «كل حكم صادر بالبراءة بناء على طلب إعادة النظر يجب نشره على نفقة الحكومة في الجريدة الرسمية ... وفي جريدتين يعينهما صاحب الشأن».
حكم تشريعي يزول أثره: المادة ٤٥٠ المشار إليها أعلاه جزء من قانون الإجراءات الجنائية رقم ١٥٠ لسنة ١٩٥٠، وهو يظل نافذًا حتى ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦. وقد تقرر إلغاء هذا القانون بالقانون رقم ١٧٤ لسنة ٢٠٢٥، على أن يبدأ أثر الإلغاء مع نفاذ القانون الجديد في ١ أكتوبر ٢٠٢٦. ولذلك أبقي النص هنا بوصفه القانون الواجب التطبيق حتى ذلك التاريخ، مع بيان التشريع الذي يحل محله. (٢٦)
النص الحاكم للانتقال التشريعي – المادة الرابعة من مواد إصدار القانون رقم ١٧٤ لسنة ٢٠٢٥: «يلغى قانون الإجراءات الجنائية الصادر بالقانون رقم ١٥٠ لسنة ١٩٥٠».
أثر التعديل على موضوع الدراسة: لم يقتصر التشريع الجديد على إعادة ترقيم وتنظيم حكم نشر البراءة؛ بل انتقل إلى معالجة أوسع لآثار الخطأ المرتبط بتقييد الحرية. فمع نفاذ القانون رقم ١٧٤ لسنة ٢٠٢٥ في ١ أكتوبر ٢٠٢٦ ينتقل حكم النشر إلى المادة ٤٢٣، ويظهر إلى جانبه تنظيم مباشر للتعويض في المادة ٥٢٨ في الحالات والشروط التي حددها القانون. وبذلك يصبح جبر الضرر المالي جزءًا صريحًا من البناء الإجرائي، لا مجرد نتيجة تستخلص من القواعد العامة.
ب – المسؤولية عن أضرار الحبس الاحتياطي
ولفهم التطور في مسألة التعويض يجب تتبع مراحله لا الاكتفاء بذكر القانون الجديد. فالتشريع القائم حتى ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦ يتضمن في المادة ٣١٢ مكررًا إقرارًا بمبدأ التعويض المادي لمن سبق حبسه احتياطيًا ثم صدر حكم بات ببراءته، وكذلك في حالة الأمر بألا وجه وفق شروط النص، إلا أنه أحال قواعد التعويض وإجراءاته إلى قانون خاص. ثم جاء دستور ٢٠١٤ ليجعل المسألة التزامًا دستوريًا على الدولة، إذ أوجب في المادة ٥٤ أن ينظم القانون حالات استحقاق التعويض عن الحبس الاحتياطي وعن تنفيذ عقوبة صدر حكم بات بإلغاء الحكم المنفذة بموجبه.
(٢٧) (٢٨)
الوضع القانوني حتى ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦ – مضمون المادة ٣١٢ مكررًا: يلتزم النشر على نفقة الحكومة في الحالات التي حددها النص لمن سبق حبسه احتياطيًا وصدر حكم بات ببراءته أو أمر بألا وجه، كما تقرر المادة مبدأ كفالة التعويض المادي عن الحبس الاحتياطي وفق القواعد والإجراءات التي يصدر بها قانون خاص.
ومن ثم، ففي تاريخ تحديث هذه الدراسة – أغسطس ٢٠٢٦ – لا يصح القول إن النظام المصري يخلو من أصل الحق أو من المبدأ الدستوري للتعويض، كما لا يصح في المقابل التعامل مع المادة ٣١٢ مكررًا وكأنها أنشأت وحدها نظامًا تفصيليًا مكتملًا لكل حالات الاستحقاق. الأدق أن المبدأ كان مقررًا تشريعيًا ودستوريًا، بينما ظل تحديد الحالات المباشرة وطريق المطالبة التفصيلي بحاجة إلى التنظيم الذي صدر لاحقًا ولم يدخل حيز النفاذ بعد.
وهذا هو موضع التحول التشريعي الحقيقي: فقد صدر القانون رقم ١٧٤ لسنة ٢٠٢٥ ليحوّل المبدأ العام إلى حالات استحقاق محددة وإجراءات دعوى واضحة. لكنه – في تاريخ هذا التحديث – قانون صادر وغير نافذ بعد، إذ يبدأ العمل به في ١ أكتوبر ٢٠٢٦. ولذلك يجب التمييز في التطبيق بين القانون النافذ حاليًا وبين النظام الذي سيبدأ سريانه من ذلك التاريخ.
(٢٦)
مضمون المادة ٥٢٨ من القانون رقم ١٧٤ لسنة ٢٠٢٥ – عند نفاذها: لا تقرر المادة تعويضًا تلقائيًا لكل من حُبس ثم بُرئ، وإنما تحدد حالات بعينها، من بينها بعض صور الحبس الاحتياطي في جرائم محدودة العقوبة، وصدور أمر نهائي بألا وجه لعدم صحة الواقعة، وصدور حكم بات بالبراءة من جميع الاتهامات لأسباب حددها النص. كما تمتد الحماية – بالشروط ذاتها التي رسمها القانون – إلى من نفذ عقوبة سالبة للحرية ثم صدر حكم بات بإلغاء الحكم المنفذ بموجبه، وتتحمل الخزانة العامة للدولة التعويض مع مراعاة القيود الواردة بالنص.
مضمون المادة ٥٢٩ – طريق المطالبة: تُرفع دعوى التعويض بالطرق المعتادة لرفع الدعاوى، وتخضع في إجراءاتها والحكم فيها والطعن عليها لقواعد قانون المرافعات المدنية والتجارية.
ويترتب على ذلك أن التعويض في التنظيم الجديد ليس أثرًا آليًا لمجرد البراءة، ولا جزاءً شخصيًا على القاضي الذي أصدر قرارًا أو حكمًا سابقًا؛ بل هو حق قانوني في مواجهة الدولة متى تحققت إحدى حالات الاستحقاق التي حددها المشرع واستوفيت شروطها. وهذه نقطة جوهرية في موضوع الخطأ القضائي، لأنها تفصل بين تقييم سلامة الحكم أو الإجراء وبين جبر الضرر المادي الناتج عن تقييد الحرية.
ج – المسؤولية في حالة مخاصمة رجال القضاء
رغم أن القاعدة هي عدم مسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي وذلك على الرغم من أن الأصل وفقًا للقانون المدني المصري ينص على أن كل خطأ سبب ضرر للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض
(٢٠)، إلا أن المشرع قد استثنى القضاء من هذا الأصل لما يقع منهم من أخطاء أثناء وبمناسبة تأديتهم لعملهم القضائي، واكتفي المشرع بأي خطأ يرتكبه في مباشرة وظيفته شرط أن يكون الخطأ جسيم، بل واحالة تلك الحالة بضمانات حتى لا يتهيب التصرف فيما يعرض عليه من منازعات وللحيلولة دون تقديم الادعاءات الكيدية، ولذلك حدد المشرع أسباب المسؤولية ورسم لها طريقا خاصا ينطوي على الكثير من الضمانات، أوجب على الخصم المضرور إتباعها إذا أراد الرجوع على القاضي بالتعويض هو طريق المخاصمة
(٢١) (٢٢).
وبالنظر إلى موقف القضاء المصري من مسألة مخاصمة القضاء فإننا نجد أنه أكد على الضمانات المقررة في هذا الأمر حيث قررت محكمة النقض المصرية أن «الحكمة التي توخاها المشرع من وضع نظام المخاصمة هو توفير الضمانات للقاضي في عمله وإحاطته بسياج من الحماية يجعله في مأمن من كيد العابثين الذين يحاولون النيل من كرامته وهيبته برفع دعاوي كيدية لمجرد التشهير به»
(٢٣).
وتوضح هذه الفلسفة أن المخاصمة ليست طريقًا لتدارك كل خطأ قضائي، ولا بديلًا عن الاستئناف أو النقض؛ فهي دعوى استثنائية لا تُقبل إلا في الأسباب التي رسمها قانون المرافعات. فإذا كانت المسألة مجرد خطأ في الحكم يمكن لمحكمة الطعن تصحيحه، ظل الطريق هو الطعن. أما إذا تعلق الأمر بأحد أسباب المخاصمة – ومن بينها الخطأ المهني الجسيم وفق المادة ٤٩٤ – انتقل النزاع إلى هذا النظام الاستثنائي بضماناته الخاصة.
وعند الوصول إلى أثر المخاصمة يجب أيضًا عدم خلطه بالتعويض عن الحبس الاحتياطي. فالتعويض في المخاصمة يرتبط بصحة دعوى المخاصمة ذاتها وبثبوت سببها في مواجهة القاضي أو عضو النيابة، بينما التعويض عن الحبس في القانون الجديد تتحمله الخزانة العامة للدولة متى توافرت حالات الاستحقاق القانونية، بصرف النظر عن قيام مخاصمة ضد قاضٍ بعينه.
تصحيح قانوني لازم: يتضمن قانون المرافعات نصًا صريحًا في المادة ٤٩٩ يرتب على الحكم بصحة المخاصمة آثارًا محددة، ولذلك لا يصح إبقاء القول القديم بعدم وجود نص على التعويض في هذه الحالة.
(٢٩)
المادة ٤٩٩ من قانون المرافعات – مضمونها: إذا قضت المحكمة بصحة المخاصمة حكمت على القاضي أو عضو النيابة المخاصم ببطلان تصرفه وبالتعويضات والمصاريف، مع مراعاة القيود التي يقررها النص بالنسبة إلى أثر البطلان على حقوق الخصوم الآخرين.
وهكذا يظهر أن التعويض في البحث لا يستند إلى أساس واحد: فهناك تعويض ناشئ عن صحة المخاصمة، وهناك التعويض المرتبط بالحبس الاحتياطي أو بتنفيذ عقوبة أُلغي الحكم المنفذ بموجبها، فضلًا عن إمكان قيام المسؤولية في الأعمال الإدارية أو أعمال المرفق وفق قواعدها الخاصة. وهذا التعدد هو ما يفسر ضرورة تحديد طبيعة العمل ومصدر الحق قبل تقرير وجود مسؤولية أو تعويض.
الخاتمة والنتائج والتوصيات
وبعد تناول موضوع الخطأ القضائي وآليات كشفه وتشخيصه والمسؤولية المترتبة عليه في النظام المصري، ومع مراعاة التطورات التشريعية التي لحقت بالمنظومة الإجرائية حتى أغسطس ٢٠٢٦، يمكن إجمال أهم النتائج والتوصيات فيما يأتي:
١- الخطأ القضائي مفهوم أوسع من الخطأ المهني الجسيم؛ فقد ينتهي طريق الطعن إلى إلغاء الحكم أو تعديله دون أن يثبت بذلك وحده خطأ مهني جسيم أو مسؤولية شخصية في جانب القاضي.
٢- تعدد درجات التقاضي يمثل إحدى أهم آليات كشف الخطأ وتصحيحه، وقد تعزز هذا الدور في المجال الجنائي بصدور القانون رقم ١ لسنة ٢٠٢٤ الذي استحدث استئناف أحكام الجنايات، فأصبح الحكم في الجناية خاضعًا لمراجعة موضوعية أمام محكمة جنايات مستأنفة قبل الرقابة القانونية بطريق النقض.
٣- يظل التفتيش القضائي أداة مهمة لمتابعة الكفاية والأداء والحد من الأخطاء، مع ضرورة التمييز بين التنظيم الخاص بالتفتيش على أعمال القضاة والتنظيم الخاص بأعضاء النيابة العامة، وتعزيز الضمانات المؤسسية التي تكفل الموضوعية والاستقلال.
٤- يجب التمييز بين تصحيح الحكم بطريق الطعن، ومساءلة القاضي شخصيًا أو تأديبيًا، والتعويض عن الضرر؛ فلكل مسار شروطه وآثاره القانونية، ولا يترتب أحدها تلقائيًا على الآخر.
٥- لم يعد دقيقًا القول بسكوت النظام القانوني المصري عن التعويض على إطلاقه؛ فالمادة ٥٤ من الدستور قررت أصل التعويض عن الحبس الاحتياطي وعن تنفيذ عقوبة ألغي الحكم المنفذة بموجبه، كما تقرر المادة ٤٩٩ من قانون المرافعات التعويض عند صحة المخاصمة، ويضيف القانون رقم ١٧٤ لسنة ٢٠٢٥ – عند نفاذه في ١ أكتوبر ٢٠٢٦ – تنظيمًا مباشرًا للتعويض في الحالات التي حددها.
٦- لا ينبغي أن تقتصر سياسة الحد من الخطأ القضائي على العلاج اللاحق، بل يجب أن تمتد إلى الوقاية منه من خلال ضمانات الدفاع، وحضور المحامي، والرقابة القضائية على إجراءات تقييد الحرية، والتدريب المستمر، وجودة إدارة الدعوى، والاستفادة المنضبطة من التحول الرقمي بما لا يمس ضمانات المحاكمة العادلة.
٧- يمر تنظيم التعويض عن الحبس الاحتياطي في مصر بمرحلة انتقالية واضحة: فحتى ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦ يظل القانون القائم قائمًا على المادة ٣١٢ مكررًا والمادة ٥٤ من الدستور دون النظام التفصيلي الجديد، بينما يبدأ في ١ أكتوبر ٢٠٢٦ تطبيق المواد ٥٢٨ و٥٢٩ من القانون رقم ١٧٤ لسنة ٢٠٢٥ بما تتضمنه من تحديد مباشر لحالات الاستحقاق وطريق المطالبة.
٨- لا يترتب التعويض في النظام الجديد على كل حكم بالبراءة؛ بل يجب التحقق من سبب البراءة أو الأمر بألا وجه وبقية الشروط والقيود التي نصت عليها المادة ٥٢٨، وهو ما يمنع تحويل التعويض إلى نتيجة آلية لكل حبس احتياطي انتهى بغير الإدانة.
٩- أوصي بالمراجعة الدورية للتشريعات والإجراءات ذات الصلة بالخطأ القضائي، وربط نتائج التفتيش والطعن والتعويض ببرامج مؤسسية للتدريب وتحسين الأداء، بما يحقق التوازن بين استقلال القضاء من ناحية وحق المتقاضي في محاكمة عادلة ووسائل فعالة لتصحيح الخطأ وجبر الضرر من ناحية أخرى.
أسأل الله التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.