تُعد قضايا الإيجارات من المنازعات العملية المتكررة؛ لأنها ترتبط بعلاقة تعاقدية مستمرة بين المؤجر والمستأجر، وقد ينشأ النزاع بشأن الأجرة أو استعمال العين المؤجرة أو الصيانة أو الإخلاء أو انتهاء مدة العقد أو تنفيذ الالتزامات المتفق عليها.
أتناول في هذه الحلقة بصورة مبسطة أهم صور المنازعات الإيجارية في المملكة العربية السعودية، مع التأكيد على أن العلاقة بين الطرفين يحكمها في الأساس العقد المبرم بينهما وما يطبق عليه من أحكام نظامية، ولذلك فإن قراءة العقد وشروطه تسبق الحكم على مسؤولية أي من الطرفين.
تتعدد صور النزاعات بين المؤجر والمستأجر، ومن أبرزها التأخر في سداد الأجرة، والمطالبة بالإخلاء، والنزاع حول الصيانة، والأضرار التي تلحق بالعقار، واستعمال العين في غير الغرض المتفق عليه، والخلاف حول انتهاء العقد أو تجديده.
وقد يجتمع أكثر من سبب في دعوى واحدة؛ فقد يطالب المؤجر بالأجرة المتأخرة وبالإخلاء في الوقت نفسه، أو يطالب المستأجر بإصلاح خلل جوهري ويعترض في المقابل على مطالبة مالية يراها غير مستحقة.
من أكثر المنازعات شيوعًا مطالبة المؤجر بالأجرة المستحقة وغير المسددة. وهنا تبرز أهمية تحديد مقدار الأجرة، ومواعيد استحقاقها، وطريقة السداد المتفق عليها، وما إذا كانت هناك دفعات سددها المستأجر ولم تُحتسب أو التزامات مالية أخرى محل خلاف.
ويكون للعقد، وإيصالات السداد، والتحويلات البنكية، والمراسلات بين الأطراف، والسجلات الإلكترونية أهمية مباشرة في إثبات ما تم سداده وما بقي في الذمة.
قد يطلب المؤجر إخلاء العقار بسبب انتهاء العلاقة الإيجارية أو الإخلال بالتزامات جوهرية أو عدم الوفاء بما يوجبه العقد، لكن صحة المطالبة بالإخلاء تتوقف على سببها، وشروط العقد، والإجراءات التي اتخذت، ومدى ثبوت الإخلال الذي يستند إليه طالب الإخلاء.
كما يجب التمييز بين ثبوت حق المؤجر في الإخلاء وبين تنفيذ الإخلاء فعليًا؛ فالتنفيذ له إجراءاته وآثاره الخاصة متى توافرت للمطالبة الصفة التنفيذية اللازمة.
كثير من المنازعات تنشأ حول مسؤولية الصيانة والإصلاح، وما إذا كان الخلل ناتجًا عن الاستعمال المعتاد أو عن عيب في العين المؤجرة أو عن سوء استعمال من المستأجر. ولا يصح وضع جميع أنواع الصيانة على طرف واحد بصورة مطلقة؛ بل ينظر إلى طبيعة الإصلاح والعقد وسبب التلف والالتزامات التي تحملها كل طرف.
ولهذا قد تكون الصور والتقارير الفنية ومحاضر الاستلام والتسليم والمراسلات الخاصة بطلب الإصلاح من أهم الأدلة عند تحديد المسؤولية عن الضرر أو كلفة الصيانة.
للمؤجر الحق في المطالبة بالأجرة المستحقة، وفي استعمال العين المؤجرة وفق الغرض المتفق عليه، والمحافظة عليها، والوفاء بالالتزامات التي يرتبها العقد على المستأجر. كما يجوز له التمسك بما يقرره العقد والنظام من آثار عند ثبوت الإخلال.
غير أن استعمال هذه الحقوق يجب أن يتم وفق الطريق النظامي، فلا تتحول المنازعة التعاقدية إلى إجراءات فردية خارج ما يجيزه العقد والنظام.
في المقابل، يحق للمستأجر الانتفاع بالعين المؤجرة خلال مدة العقد وفق الغرض المتفق عليه، وأن تكون العين صالحة للانتفاع المقصود بحسب ما يوجبه العقد وطبيعة الالتزام، وألا تُفرض عليه التزامات أو مبالغ لا تستند إلى العقد أو إلى أساس نظامي.
وإذا نشأ خلاف حول الإخلاء أو الصيانة أو الأجرة أو أي التزام آخر، فإن حماية حق المستأجر تعتمد بدورها على العقد وما يثبت تنفيذه لالتزاماته وما لديه من مستندات وأدلة.
من الأخطاء الشائعة التعامل مع النزاع الإيجاري بمعزل عن العقد. فالقاعدة العملية الأولى هي مراجعة مدة العقد، والأجرة، وطريقة السداد، وغرض الاستعمال، وشروط التجديد، والإنهاء، والصيانة، والإخطارات، ثم مقارنة ذلك بما حدث فعليًا بين الطرفين.
الإثبات عنصر أساسي في المنازعات الإيجارية؛ فوجود الحق وحده لا يكفي إذا تعذر إثبات الواقعة التي يستند إليها صاحب المطالبة. ومن الأدلة المهمة: العقد، وسجلات السداد، والتحويلات، والمراسلات، ومحاضر الاستلام والتسليم، والتقارير الفنية والصور عند النزاع حول حالة العقار.
قد يكون التوقيت عنصرًا حاسمًا في النزاع، خصوصًا فيما يتعلق بتاريخ استحقاق الأجرة، وانتهاء العقد، والإشعار أو الإخطار، وتاريخ الاعتراض، وتوقيت تقديم الدليل أو التمسك به. ولذلك يجب عدم إهمال المواعيد المثبتة في العقد أو المرتبطة بالإجراء محل النزاع.
تنبيه قانوني: لا توجد نتيجة واحدة تنطبق على جميع قضايا الإيجارات؛ فالحكم على حق المؤجر أو المستأجر يتوقف على نوع العقد، وشروطه، وسبب النزاع، وما تم تنفيذه فعليًا، والأدلة والإجراءات المرتبطة بكل حالة.
تأتي هذه الحلقة ضمن الثقافة الحقوقية ، وهي سلسلة مرئية أقدم من خلالها شرحًا قانونيًا مبسطًا لعدد من القضايا والمسائل القانونية والنظامية التي تهم الجمهور والمتخصصين.