تُعد قضايا التركات من الموضوعات التي تتطلب قدرًا كبيرًا من الدقة؛ لأن الوصول إلى أنصبة الورثة لا يبدأ مباشرة بقسمة الأموال، وإنما يسبقه تحديد التركة نفسها، وحصر الأموال والحقوق والديون والوصايا، والتحقق من الورثة وصفاتهم وموانع الإرث إن وجدت.
وقد نظم نظام الأحوال الشخصية السعودي أحكام التركة والإرث بصورة تفصيلية، بدءًا من تعريف التركة وترتيب الحقوق المتعلقة بها، وصولًا إلى أنصبة الورثة والحجب والتعصيب والتخارج وبعض الحالات الخاصة كالمفقود والحمل.
عرّف النظام التركة بأنها ما يخلفه الإنسان بعد موته من الأموال والحقوق المالية. ولذلك لا تنحصر التركة في العقارات أو الأموال النقدية، بل قد تشمل أسهمًا وحصصًا وحقوقًا مالية وديونًا للمتوفى ومستحقات أخرى تدخل في ذمته المالية.
من أهم القواعد أن التركة لا تقسم مباشرة بين الورثة، بل ترتب الحقوق المتعلقة بها وفق النظام على النحو الآتي: تجهيز الميت بالمعروف، ثم قضاء الديون، ثم تنفيذ الوصية، ثم قسمة ما يبقى على الورثة.
وهذا الترتيب مهم؛ لأن حصة الوارث لا تحسب على إجمالي الأموال الظاهرة قبل تسوية الحقوق السابقة على القسمة.
يجب حصر الديون التي على المورث قبل تقسيم التركة، سواء كانت ديونًا لأفراد أو جهات أو التزامات ثابتة بمستندات أو أحكام أو عقود.
ويقدم من الديون ما كان متعلقًا بعين من أعيان التركة وفق الترتيب الذي قرره النظام.
كما قد تكون هناك ديون ومستحقات للمتوفى لدى الغير، وهذه تدخل ضمن عناصر التركة ويجب حصرها والمطالبة بها عند الاقتضاء قبل الوصول إلى قسمة نهائية دقيقة.
تأتي الوصية بعد قضاء الديون وقبل تقسيم ما بقي من التركة على الورثة، وفق الأحكام والحدود التي قررها نظام الأحوال الشخصية.
ولذلك يجب التحقق من وجود وصية، وصحتها، ومحلها، والموصى له، ومدى نفاذها قبل اعتماد القسمة النهائية.
لا يمكن تقسيم التركة تقسيمًا صحيحًا قبل تحديد جميع الورثة المستحقين وصفاتهم وصلتهم بالمورث.
وإغفال وارث أو الخطأ في صفته قد يؤدي إلى قسمة غير صحيحة وما يتبعها من نزاعات ومطالبات بإعادة توزيع بعض الأموال.
يشترط لاستحقاق الإرث وفاة المورث حقيقة أو بحكم قضائي، وحياة الوارث بعد موت مورثه حقيقة أو تقديرًا، ووجود سبب الإرث مع انتفاء موانعه.
نظم النظام حالات تمنع الشخص من الإرث، ومن بينها بعض صور قتل المورث عمدًا أو شبه عمد، كما نظم أثر اختلاف الدين في الإرث.
ولذلك فإن مجرد وجود صلة قرابة لا يكفي دائمًا للحكم بالاستحقاق قبل التحقق من توافر الشروط وعدم وجود مانع.
نظم النظام نصيب كل من الزوج والزوجة بحسب وجود الفرع الوارث من عدمه، كما نظم حالات التوارث عند الطلاق الرجعي وبعض الأحوال الخاصة المرتبطة بمرض الموت.
حدد نظام الأحوال الشخصية أصحاب الفروض وأنصبتهم، ومنهم الزوج والزوجة والأب والأم والبنت وغيرهم، بحسب تكوين الأسرة والورثة الموجودين في كل حالة.
ولذلك فإن حساب الميراث لا يتم بالنظر إلى وارث منفرد، وإنما بعد معرفة جميع الورثة؛ لأن وجود أحدهم قد يؤثر في نصيب الآخر.
من المسائل المهمة في قضايا الميراث الحجب، وهو حرمان من قام به سبب الإرث من الميراث كله أو بعضه بسبب وجود وارث آخر وفق الأحكام النظامية.
ولهذا قد يتغير نصيب أحد الورثة جذريًا بمجرد وجود وارث أقرب أو أقوى منه في جهة الاستحقاق.
نظم النظام كذلك العصبات وأنواعها وترتيب جهاتها، وكيفية استحقاق الباقي من التركة بعد أصحاب الفروض، وهو من الجوانب التي تتطلب معرفة التكوين الكامل للورثة قبل حساب الأنصبة.
من الأخطاء العملية البدء في القسمة قبل التأكد من حصر جميع أموال المورث، ومنها العقارات والحسابات البنكية والأسهم والحصص في الشركات والمركبات والمستحقات المالية والحقوق الأخرى.
نظمت لائحة نظام الأحوال الشخصية مسألة مهمة، إذ ألزمت -دون إخلال بالأحكام النظامية الأخرى- الجهات المختصة والمشرفة على تسجيل الأموال بإفادة أي وارث عند طلبه بحقوق مورثه وأمواله الثابتة والمنقولة.
كما تشمل الإفادة نسخة من الكشوفات المتعلقة بمال المورث التي تمت بعد تاريخ وفاته، وهو ما يعزز إمكانية تتبع التصرفات المالية المرتبطة بالتركة.
قد يدعي أحد الورثة أو شخص من الغير أن مالًا ظاهرًا باسم المورث لا يدخل في التركة، أو أن مالًا غير مسجل باسمه كان مملوكًا له.
وهنا تتحول المسألة إلى نزاع في أصل الملكية يحتاج إلى مستندات وعقود وتحويلات وقرائن وأدلة تثبت صاحب الحق الحقيقي.
تمثل العقارات في كثير من التركات الجزء الأكبر من الأموال، وقد ينشأ الخلاف حول بيع العقار أو قسمته أو بقائه مشاعًا بين الورثة أو تقييمه قبل التخارج.
ولذلك يجب التمييز بين تحديد نصيب الوارث وبين الطريقة العملية التي سيتم بها إنهاء الشيوع في العقار.
إذا كان المورث يملك حصصًا أو أسهمًا في شركة، فإن تحديد ما يدخل في التركة يحتاج إلى مراجعة نوع الشركة ووثائقها وحصة المورث وحقوقه المالية والأنظمة المنظمة للكيان.
قد تستغرق التركة وقتًا قبل الوصول إلى القسمة، وخلال هذه الفترة قد توجد عقارات مؤجرة أو منشآت عاملة أو أموال تحتاج إلى إدارة.
ولهذا تكون المحافظة على المال وتوثيق الإيرادات والمصروفات والتصرفات التي تتم عليه أمرًا ضروريًا لحماية حقوق جميع الورثة.
إذا كانت عناصر التركة معلومة وكان الورثة متفقين، فقد يكون من الممكن الوصول إلى قسمة رضائية تراعي أنصبة الجميع وتوزع الأموال أو قيمتها بينهم.
ويجب أن تكون القسمة واضحة من حيث الأموال والقيم والأنصبة والحقوق التي يحصل عليها كل وارث.
قد ينشأ النزاع بسبب رفض أحد الورثة البيع، أو الاعتراض على التقييم، أو ادعاء ملكية مال معين، أو وجود ديون مختلف عليها، أو عدم الإفصاح عن بعض أموال التركة.
ولذلك فإن تجميع المستندات وحصر الأموال والالتزامات بصورة دقيقة قبل القسمة يقلل كثيرًا من مساحة الخلاف.
نظم النظام التخارج، وهو اتفاق على ترك بعض الورثة أو الموصى له نصيبه من التركة أو بعضه مقابل شيء معلوم من التركة أو من غيرها.
ويجب توثيق التخارج أمام الجهة المختصة وفق الإجراءات المنظمة له.
من المسائل المهمة أن يكون المتخارجون على علم بالتركة، لأن النظام عالج حالة التخارج مع وجود جهالة بأموال التركة.
فإذا كانت جهالة التركة يمكن إزالتها في مدة قريبة وتم التخارج قبل العلم بها، فقد يثبت لمن جهل حالها طلب إبطال التخارج وفق الأحكام النظامية.
تختلف طريقة توزيع نصيب المتخارج بحسب ما إذا كان التخارج مع وارث واحد أو مع باقي الورثة، وبحسب ما إذا كان المقابل من أموال التركة أو من خارجها.
إذا كان هناك حمل يمكن أن يكون وارثًا، نظم النظام كيفية حفظ نصيبه قبل اكتمال القسمة حتى يتبين عدد الأجنة وحياتهم وجنسهم وفق تقرير طبي معتمد.
عالج النظام كذلك حالة الوارث المفقود، فنظم حفظ نصيبه من تركة مورثه على تقدير حياته إلى أن تتضح حالته أو يصدر حكم بشأن وفاته.
تلعب المستندات والأدلة دورًا أساسيًا في قضايا التركات، خاصة عند النزاع على أصل الملكية أو وجود دين أو سداد مبلغ أو إثبات تصرف صدر من المورث قبل وفاته.
وقد تشمل الأدلة الصكوك والعقود وكشوف الحساب والتحويلات البنكية والمراسلات والإقرارات والسجلات التجارية وغيرها بحسب طبيعة المال.
المعالجة الدقيقة لقضية التركة تبدأ عادة بـ تحديد الورثة، ثم حصر الأموال والحقوق، ثم حصر الديون، ثم فحص الوصايا، ثم تحديد صافي التركة، ثم حساب الأنصبة، ثم اختيار طريقة القسمة أو التخارج.
وهذا الترتيب يساعد على تجنب توزيع أموال قبل استكمال الحقوق السابقة عليها أو اكتشاف أموال أو التزامات بعد انتهاء القسمة.
تأتي هذه الحلقة ضمن الثقافة الحقوقية ، وهي سلسلة مرئية أقدم من خلالها شرحًا قانونيًا مبسطًا لعدد من القضايا والمسائل القانونية والنظامية التي تهم الجمهور والمتخصصين.