يمثل الملتقى الصناعي والاستثماري المصري السعودي منصة عملية لربط القدرات الصناعية المصرية والسعودية بالفرص الاستثمارية وسلاسل الإمداد والمشروعات المشتركة، بما يفتح المجال أمام انتقال العلاقة من التبادل التجاري إلى التصنيع والتوريد ونقل التقنية والاستثمار الصناعي طويل الأجل.
وتبرز أهمية الملتقى في جمع قادة الصناعة والمستثمرين والجهات المعنية في البلدين حول قطاعات ذات أولوية، مع التركيز على دور القطاع الخاص في بناء شراكات إنتاجية واستثمارية، ودور الجهات الحكومية في التمكين وتيسير التجارة ومعالجة التحديات.
وعُقدت الفعالية في الرياض يوم 28 أبريل 2025 تحت الاسم الرسمي «الملتقى الصناعي السعودي المصري»، برعاية معالي وزير الصناعة والثروة المعدنية الأستاذ بندر بن إبراهيم الخريّف، وبتنظيم اتحاد الغرف السعودية بالتعاون مع اتحاد الصناعات المصرية، وبمشاركة نحو 300 من قادة الصناعة والمستثمرين من البلدين.
وأكدت مناقشات الملتقى أهمية تطوير سلاسل الإمداد وتحديد المنتجات ذات الأولوية، وتحفيز الاستثمارات المشتركة، بما يعزز قدرة الشركات المصرية والسعودية على بناء علاقات صناعية أكثر تكاملًا واستدامة.
وتركزت فرص التكامل التي طُرحت خلال الملتقى على عدد من الصناعات ذات الأولوية، في مقدمتها الصناعات الدوائية، وصناعة السيارات، ومواد البناء، والصناعات الغذائية، والمنسوجات، إلى جانب فرص أخرى في مجالات الطاقة والآلات والمعدات.
وتتيح هذه القطاعات نماذج متعددة للتعاون بين الشركات، تشمل تصنيع المكونات، والتوريد، وتطوير سلاسل الإمداد، ونقل الخبرات والتقنيات، وإنشاء مشروعات صناعية مشتركة، وفتح قنوات جديدة للتصدير، وفق طبيعة كل قطاع وقدرات الشركات والأطراف المشاركة.
ويكتسب البعد القانوني أهمية خاصة عند انتقال هذه الفرص من مرحلة اللقاءات إلى مشروعات فعلية. ففي وقت انعقاد الملتقى كان نظام الاستثمار السعودي المحدث قد دخل حيز النفاذ في 12 فبراير 2025، مقدمًا إطارًا موحدًا للمستثمر المحلي والأجنبي، ومنظمًا حقوق المستثمر وإجراءات التسجيل والحوافز والأنشطة المستثناة ووسائل تسوية المنازعات.
كما كانت مصر والمملكة قد وقعتا في القاهرة يوم 15 أكتوبر 2024 اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة، وهي اتفاقية ترتبط مباشرة بمستقبل الاستثمارات المشتركة بين البلدين. وبحلول مارس 2025 كان مجلس النواب المصري قد وافق عليها، بينما يظل نفاذها الدولي مرتبطًا باستكمال الإجراءات اللازمة لدى الطرفين وفق أحكامها.
وشاركت في أعمال الملتقى، وكانت فرصة للتواصل مع عدد من رجال الصناعة والمستثمرين من الجانبين المصري والسعودي، وتبادل الرؤى حول فرص التعاون والمشروعات المشتركة والتطورات التي يشهدها القطاع الصناعي في البلدين.
وتظل اللقاءات المباشرة بين أصحاب الأعمال والخبرات من أهم عناصر هذه المنتديات؛ إذ تسمح بالتعرف إلى احتياجات كل طرف وقدراته، وتحديد نقاط الالتقاء التي يمكن أن تنتقل لاحقًا إلى دراسة أكثر تفصيلًا أو مفاوضات أو تعاون تجاري وصناعي فعلي.
ومن الناحية القانونية، فإن المشروعات الصناعية العابرة للحدود تحتاج منذ بدايتها إلى اختيار هيكل واضح للعلاقة، سواء كان شركة مشتركة أو عقد تصنيع أو توريد أو توزيع أو نقل تقنية. كما ينبغي تنظيم الملكية والإدارة والتمويل والملكية الفكرية والمواصفات ومواعيد التوريد ونقل المخاطر والمسؤولية عن التأخير والإخلال وآليات تسوية المنازعات.
وتزداد أهمية هذا التنظيم في سلاسل الإمداد الدولية التي تتداخل فيها جهات ومراحل إنتاج ونقل متعددة؛ فوضوح العقود وآليات اتخاذ القرار والتخارج وتسوية النزاعات يساعد على تقليل المخاطر ويحافظ على استقرار العلاقة بين الشركاء.
وتستند فرص التعاون الصناعي إلى قاعدة اقتصادية قائمة بالفعل؛ فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين المملكة ومصر نحو 8 مليارات دولار خلال النصف الأول من عام 2024، بزيادة تقارب 41% عن الفترة نفسها من عام 2023، وهو ما يعكس حجم الروابط التجارية التي يمكن البناء عليها عند تطوير مشروعات واستثمارات صناعية جديدة.
ولا يعني كل تعاون صناعي قيام استثمار مباشر؛ فقد تبدأ العلاقة بعقد توريد أو تصنيع للغير أو توزيع أو نقل تقنية، ثم تتطور إلى مشروع مشترك أو استثمار مباشر عندما تتوافر الجدوى والتمويل والهيكل التنظيمي المناسب.
وعند الاتجاه إلى مشروع مشترك أو استثمار مباشر، ينبغي تحديد هيكل الملكية والتمويل والإدارة والحوكمة وصلاحيات اتخاذ القرار وتوزيع الأرباح والمخاطر وحقوق الملكية الفكرية وآليات التخارج وتسوية المنازعات.
ويبرز الملتقى الصناعي والاستثماري المصري السعودي في هذا السياق بوصفه مساحة تجمع القدرات الصناعية والخبرات ورؤوس الأموال والفرص المتاحة في البلدين، وتفتح المجال أمام نماذج تعاون تتجاوز مجرد التبادل التجاري إلى التصنيع المشترك وتكامل سلاسل القيمة والإمداد والاستثمار طويل الأجل.
شاهد أيضًا: فيديو الملتقى الصناعي والاستثماري المصري السعودي | Egyptian–Saudi Industrial & Investment Forum
وفي ختام هذه المشاركة، أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى اتحاد الغرف السعودية واتحاد الصناعات المصرية والجهات المنظمة والمشاركة على دعوتها الكريمة لي للمشاركة في الملتقى الصناعي والاستثماري المصري السعودي، وعلى حسن التنظيم وما أتاحته الفعالية من فرصة للتواصل المباشر مع رجال الصناعة والمستثمرين وبحث مجالات التكامل الصناعي والاستثمار بين مصر والمملكة.
دكتور هشام منصان