تُعد قضايا الغش التجاري من القضايا التي تمس الثقة في التعاملات التجارية وحماية المستهلك وسلامة المنتجات المتداولة في الأسواق، وقد تتخذ صورًا متعددة تبدأ من العبث بمكونات المنتج أو صفاته، وتمتد إلى الخداع في مصدره أو مقداره أو مواصفاته أو صلاحيته.
أتناول في هذه الحلقة بصورة مبسطة مفهوم الغش التجاري في المملكة العربية السعودية، وأبرز صوره، والفرق بينه وبين بعض الممارسات القريبة منه مثل تقليد العلامات التجارية أو التضليل التجاري، وأهمية الإثبات في تحديد المسؤولية.
لا يقتصر الغش التجاري على بيع منتج رديء الجودة، وإنما قد يتحقق عندما يقع تغيير أو عبث في المنتج يؤثر في قيمته أو طبيعته أو جنسه أو نوعه أو عناصره أو صفاته أو مصدره أو مقداره، أو عندما يكون المنتج مخالفًا للمواصفات الواجبة التطبيق بحسب الحالة.
وقد يشمل السلوك كذلك الخداع أو الشروع في الخداع في ذاتية المنتج أو خصائصه الجوهرية أو مصدره أو مقداره، فضلًا عن بيع المنتج المغشوش أو عرضه أو حيازته بقصد المتاجرة متى توافرت عناصر المخالفة.
تتعدد الصور العملية للغش التجاري، ومن أمثلتها العبث بمكونات المنتج، أو تغيير بياناته أو صفاته، أو تقديم معلومات غير صحيحة عن مصدره، أو التلاعب في الوزن أو الكمية أو العدد أو غير ذلك من البيانات الجوهرية المتعلقة به.
كما قد تظهر صور أخرى تتعلق بمنتج غير مطابق للمواصفات، أو منتج أصبح غير صالح للاستعمال أو الاستهلاك، أو باستخدام عبوات أو ملصقات أو وسائل من شأنها تضليل المتعامل بشأن حقيقة المنتج.
من الوقائع التي قد تكون شديدة الخطورة التلاعب ببيانات المنتج المتعلقة بالصلاحية أو المكونات أو المصدر، خصوصًا عندما يكون من شأن ذلك التأثير في سلامة المستهلك أو إخفاء حقيقة المنتج عنه.
ولا بد في كل حالة من فحص المنتج والبيانات المثبتة عليه والمستندات المرتبطة بتصنيعه أو استيراده أو توزيعه، حتى يتحدد ما إذا كانت الواقعة تمثل غشًا تجاريًا أو مخالفة أخرى تختلف في وصفها وأحكامها.
يجب التمييز بين الغش التجاري وتقليد أو تزوير العلامة التجارية. فهما ليسا وصفًا واحدًا بالضرورة؛ إذ تخضع العلامات التجارية لأحكام خاصة تحمي العلامة المسجلة من التزوير والتقليد والاستعمال غير المشروع.
ومع ذلك قد تتداخل الواقعتان؛ فقد يحمل المنتج المغشوش علامة مقلدة، وعندئذ يمكن أن تثير الواقعة أكثر من جانب نظامي بحسب الأفعال المرتكبة والأدلة المتوافرة.
قد يكون للمعلومات المستخدمة في الإعلان أو التسويق أثر مباشر في النزاع عندما تُقدم للمستهلك بيانات غير صحيحة أو مضللة عن طبيعة المنتج أو خصائصه أو منشئه أو مزاياه.
ولهذا ينبغي الاحتفاظ بنسخة من الإعلان أو العرض أو الصفحة الإلكترونية أو الرسائل الترويجية عند وقوع النزاع، لأنها قد تكون من الأدلة المهمة في تحديد ما تم تقديمه للمستهلك وقت الشراء.
تحديد المسؤولية في قضايا الغش التجاري لا يتوقف على مكان العثور على المنتج فقط، وإنما يحتاج إلى تتبع سلسلة التعامل به، مثل الإنتاج والاستيراد والتوزيع والعرض والبيع، وتحديد دور كل طرف وعلمه بالواقعة وما يثبت ذلك.
ولذلك تختلف المسؤولية من قضية إلى أخرى تبعًا لصفة الشخص، وطبيعة التصرف الذي قام به، ومدى علاقته بالمنتج المغشوش، والمستندات والقرائن التي تثبت الواقعة.
يمثل الإثبات عنصرًا محوريًا في هذه القضايا، فقد تشمل الأدلة الفواتير، والعقود، وسجلات الشراء والتوريد، والعبوات، والملصقات، والعينات، والمراسلات، والإعلانات الإلكترونية، وتقارير الفحص أو التحليل الفني.
وتبرز أهمية الدليل الرقمي كذلك عندما تكون عملية البيع أو الإعلان أو التواصل قد تمت عبر متجر إلكتروني أو منصة رقمية أو رسائل إلكترونية؛ إذ قد تكون هذه البيانات أساسية في ربط المنتج بالمعلن أو البائع أو المورد.
لا يمكن في كثير من الحالات تحديد حقيقة المنتج بمجرد النظر إليه، ولذلك قد يلزم الفحص الفني أو المخبري لتحديد مكوناته أو مطابقته أو مدى وقوع التغيير أو العبث به.
كما أن سلامة العينة وطريقة ضبطها وحفظها وربط نتيجة الفحص بالمنتج محل الواقعة مسائل مهمة عند مناقشة الدليل وتحديد مدى حجيته.
لا. تختلف الآثار والعقوبات بحسب نوع المخالفة وظروفها، وقد تتشدد في بعض الحالات، خاصة إذا تعلق الغش بمنتج يسبب ضررًا للصحة أو اقترنت الواقعة بوسائل احتيالية أو ظروف يقرر لها النظام حكمًا أشد.
ولهذا لا يصح تحديد عقوبة واقعة معينة بمجرد وصفها بأنها «غش تجاري» قبل معرفة الصورة النظامية الدقيقة للفعل والمنتج والظروف المحيطة به.
قد ينشأ عن الغش التجاري إلى جانب المسؤولية المقررة على المخالف ضرر خاص بالمشتري أو المتعامل، ولذلك يجب التمييز بين الجزاء المترتب على المخالفة وبين الحقوق المدنية أو المالية التي قد يطالب بها من أصابه ضرر نتيجة المنتج المغشوش.
تنبيه قانوني: ليست كل مشكلة في منتج غشًا تجاريًا، وليست كل واقعة تقليد لعلامة تجارية غشًا تجاريًا بالضرورة. التكييف الصحيح يتطلب تحديد الفعل، والمنتج، وصفة الأطراف، والضرر، والأدلة، والنظام الواجب التطبيق على كل واقعة.
تأتي هذه الحلقة ضمن الثقافة الحقوقية ، وهي سلسلة مرئية أقدم من خلالها شرحًا قانونيًا مبسطًا لعدد من القضايا والمسائل القانونية والنظامية التي تهم الجمهور والمتخصصين.