تُعد قضايا التهرب الضريبي من القضايا ذات الطبيعة المالية والنظامية التي تحتاج إلى فحص دقيق للوقائع والمستندات؛ لأن مجرد وجود مخالفة ضريبية أو فرق مالي لا يعني بالضرورة توافر التهرب الضريبي.
وأتناول في هذه الحلقة بعض الجوانب المرتبطة بالتهرب الضريبي في المملكة العربية السعودية، مع بيان أهمية التمييز بين الخطأ والمخالفة من جهة، وبين السلوك الذي يتضمن قصدًا أو ممارسات احتيالية تستهدف التخلص من الالتزام الضريبي من جهة أخرى.
من أهم النقاط في هذا النوع من القضايا أن المخالفة الضريبية لا تساوي دائمًا التهرب الضريبي. فقد توجد مخالفة بسبب التأخر في التسجيل أو تقديم الإقرار أو السداد أو بسبب خطأ في الإقرار، بينما يتطلب التهرب بحث السلوك ذاته والغاية المقصودة منه.
ولهذا يجب تحديد الوصف النظامي الصحيح لكل واقعة قبل ترتيب آثارها، وعدم جمع جميع صور عدم الامتثال تحت وصف واحد.
يكتسب القصد من التصرف أهمية أساسية عند التمييز بين الخطأ وبين التهرب، خاصة عندما يتعلق الأمر بتقديم معلومات أو مستندات أو سجلات غير صحيحة بقصد تخفيض الضريبة المستحقة أو استرداد مبالغ دون وجه حق.
لذلك يجب دراسة الملابسات المحيطة بالواقعة، وكيفية إعداد الإقرار، ومن قام بإدخال البيانات، والمستندات التي استند إليها، وما إذا كان الخطأ عارضًا أم جزءًا من تصرف متعمد.
تمثل الإقرارات الضريبية أحد أهم المستندات في دراسة الواقعة، إذ تكشف المبالغ التي أقر بها المكلف والبيانات التي استند إليها في حساب الضريبة.
وقد يكون النزاع حول إقرار خاطئ، أو بيانات ناقصة، أو تعديل لاحق، أو اختلاف بين الإقرار وبين الدفاتر والفواتير والحركة المالية الفعلية للمنشأة.
تظهر الخطورة بصورة أكبر إذا استند الإقرار إلى فواتير أو مستندات مصطنعة أو غير صحيحة بغرض تخفيض الضريبة أو زيادة الضريبة القابلة للاسترداد.
ولذلك يجب فحص حقيقة التعامل التجاري الذي تمثله الفاتورة: هل توجد سلعة أو خدمة فعلية؟ وهل تمت المعاملة فعلًا؟ وهل تتطابق الفاتورة مع السجلات والتحويلات والعقود؟
من صور التهرب التي تبرز عمليًا اصطناع فواتير مشتريات أو تعديل بيانات الفواتير بهدف التأثير في مقدار الضريبة المستحقة.
وهنا يصبح التحقق من المورد، والعقد، والتحويل المالي، واستلام السلع أو الخدمات، وحركة المخزون، والسجلات المحاسبية أمرًا مهمًا لإثبات حقيقة العملية.
قد يظهر أثناء الفحص الضريبي فرق بين الضريبة التي تم احتسابها والضريبة المستحقة فعليًا، لكن هذا الفرق لا يكفي وحده للقول بوجود تهرب.
فقد يكون السبب خطأ في التصنيف أو الحساب أو تفسير المعاملة، ولهذا يجب التفريق بين الخطأ الذي يرتب مخالفة أو تصحيحًا وبين السلوك المتعمد الذي يدخل في نطاق التهرب.
عدم التسجيل في الموعد النظامي أو التأخر في تقديم الإقرار أو سداد الضريبة قد يمثل مخالفة ضريبية مستقلة، ولا ينبغي وصفها تلقائيًا بأنها تهرب دون بحث العناصر والوقائع الخاصة بكل حالة.
تمثل الدفاتر والسجلات المحاسبية مصدرًا أساسيًا لفهم حقيقة النشاط المالي للمنشأة، ومقارنة المبيعات والمشتريات والإيرادات والمصروفات بما ورد في الإقرارات.
وقد يكشف عدم الاتساق بين السجلات والإقرارات والفواتير والحسابات البنكية عن مسائل تحتاج إلى تفسير وفحص قبل تحديد المسؤولية.
قد تكون الحسابات البنكية والتحويلات المالية ذات أهمية عند مقارنة النشاط المعلن بالنشاط الفعلي، خاصة إذا كانت هناك معاملات أو تدفقات مالية لا تتطابق مع ما هو مثبت في الدفاتر أو الإقرارات.
وجود فاتورة وحدها لا يكفي دائمًا لفهم حقيقة العملية؛ فقد تكون هناك عقود وأوامر شراء ومحاضر استلام ومراسلات تؤكد أو تنفي وجود التعامل الذي استندت إليه الفاتورة.
ولذلك فإن تقييم الواقعة يجب أن يتم من خلال مجموعة المستندات ككل وليس من خلال ورقة واحدة.
في المنشآت قد يشترك أكثر من شخص في إعداد البيانات أو اعتماد الإقرار أو إدارة الحسابات، ولذلك يجب تحديد دور كل شخص وصلاحياته وعلمه بالواقعة.
فلا يصح افتراض مسؤولية كل موظف أو محاسب لمجرد ارتباطه بالمنشأة، وإنما يجب تحديد الفعل المنسوب إليه ومدى علمه أو مشاركته فيه.
يعتمد هذا النوع من القضايا بدرجة كبيرة على الإثبات المالي والمحاسبي والمستندي، ومن ذلك الإقرارات والفواتير والدفاتر والعقود وكشوف الحساب والتحويلات والمراسلات والمستندات الإلكترونية.
وقد تكون الخبرة المحاسبية ضرورية لفحص العمليات ومقارنتها بالبيانات المقدمة وتحديد حجم الفروق وأسبابها.
مع الاعتماد المتزايد على الفوترة والأنظمة المحاسبية الإلكترونية، أصبحت السجلات الرقمية والمراسلات الإلكترونية ذات أهمية متزايدة في إثبات مصدر البيانات وتوقيت إدخالها أو تعديلها والشخص الذي قام بذلك.
لا توجد عقوبة واحدة لكل ما يوصف بأنه «مشكلة ضريبية»، بل تختلف العقوبة بحسب نوع الضريبة والوصف النظامي للفعل.
وفي ضريبة القيمة المضافة مثلًا، يقرر النظام عقوبة خاصة للتهرب، تختلف عن الغرامات المقررة لعدم التسجيل أو التأخر في تقديم الإقرار أو عدم السداد أو غير ذلك من المخالفات.
قد ينشأ الخلاف كذلك حول نتيجة الفحص أو التقدير الضريبي وليس حول واقعة تهرب، ولهذا يجب التفريق بين مسار الاعتراض على التقدير أو الضريبة وبين النزاع المتعلق بنسبة سلوك تهرب إلى المكلف.
من المفيد في القضايا الضريبية إعداد تسلسل زمني واضح يبين تاريخ العملية والفاتورة والإقرار والسداد والفحص والمراسلات والاعتراضات والقرارات.
فالترتيب الزمني قد يكشف ما إذا كان الخطأ قد صحح تلقائيًا، أو متى اكتشف، أو ما إذا كانت هناك إجراءات لاحقة تؤثر في تقييم الواقعة.
قبل وصف أي تصرف بأنه تهرب ضريبي يجب تحديد نوع الضريبة، والالتزام محل النزاع، والفعل الذي وقع، والقصد المرتبط به، والمستندات والبيانات التي تثبت الواقعة.
ولذلك فإن الدراسة القانونية والمحاسبية المتكاملة هي الأساس في التمييز بين الخطأ، والمخالفة، والتهرب الضريبي وتحديد المسؤولية بصورة دقيقة.
تأتي هذه الحلقة ضمن الثقافة الحقوقية ، وهي سلسلة مرئية أقدم من خلالها شرحًا قانونيًا مبسطًا لعدد من القضايا والمسائل القانونية والنظامية التي تهم الجمهور والمتخصصين.