تُعد قضايا الخطأ الطبي من المنازعات التي تجمع بين الجانب الطبي والجانب النظامي؛ لأن تحديد المسؤولية لا يتوقف على مجرد حدوث نتيجة غير مرغوبة للمريض، وإنما يتطلب دراسة طبيعة التدخل الطبي، ومدى التزام الممارس الصحي بالأصول العلمية والمهنية، ووجود خطأ ترتب عليه ضرر وعلاقة سببية بينهما.
وأتناول في هذه الحلقة بصورة مبسطة أهم الجوانب المرتبطة بالمسؤولية عن الأخطاء الطبية في المملكة العربية السعودية، والفرق بين الخطأ المهني والمضاعفات الطبية، وأهمية السجل الطبي والخبرة الفنية والإثبات عند تحديد المسؤولية.
يقوم التزام الممارس الصحي في الأصل على بذل عناية يقظة تتفق مع الأصول العلمية المتعارف عليها. ولذلك لا يقاس أداؤه بمجرد تحقق الشفاء أو نجاح الإجراء الطبي، وإنما بمدى التزامه بما يقتضيه تخصصه وحالة المريض والمعايير المهنية الواجب اتباعها.
وهذا التمييز مهم؛ لأن الطب بطبيعته لا يضمن دائمًا نتيجة معينة، وقد تقع مضاعفات رغم سلامة الإجراء واتباع الأصول العلمية، ومن ثم فإن مجرد وقوع الضرر لا يكفي وحده لإثبات الخطأ الطبي.
الخطأ المهني الصحي هو إخلال الممارس الصحي بما تقتضيه منه الأصول العلمية أو المهنية في الحالة محل العلاج، متى ترتب على ذلك ضرر للمريض.
ومن الصور التي يوردها النظام: الخطأ في العلاج، ونقص المتابعة، والجهل بأمور فنية يفترض في الممارس من ذات التخصص الإلمام بها، والتقصير في الرقابة والإشراف، وعدم الاستعانة بمن تستدعي حالة المريض استشارته.
عند بحث المسؤولية الطبية يجب التحقق من ثلاثة عناصر رئيسية: الخطأ، والضرر، وعلاقة السببية. فلا يكفي وجود خطأ نظري دون أن يثبت ارتباطه بالضرر محل المطالبة.
كما لا يكفي وجود ضرر صحي إذا كان ناشئًا عن المرض نفسه أو عن مضاعفة محتملة وقعت رغم سلامة العلاج، ما لم يثبت أن التصرف المهني الخاطئ كان سببًا في حدوث الضرر أو تفاقمه.
من أهم المسائل العملية التمييز بين الخطأ الطبي والمضاعفة الطبية. فحدوث نزيف أو التهاب أو مضاعفة عقب عملية أو علاج لا يعني تلقائيًا أن الطبيب أو الممارس الصحي ارتكب خطأ.
العبرة هي بمعرفة ما إذا كان الإجراء قد تم وفق الأصول العلمية، وهل تم اتخاذ الاحتياطات اللازمة، وهل جرت متابعة المريض بالشكل المناسب، وهل كان يمكن تجنب الضرر لو تم اتباع العناية المهنية الواجبة.
قد يثار النزاع حول التشخيص، إلا أن اختلاف التشخيص أو عدم الوصول إلى التشخيص الصحيح منذ البداية لا يعني بذاته قيام المسؤولية؛ بل يجب بحث الفحوص التي أجريت، والأعراض الظاهرة وقتها، والمعلومات المتاحة للممارس، ومدى التزامه بما تقتضيه الأصول الطبية.
ويختلف الأمر إذا ثبت إغفال فحص جوهري أو تجاهل أعراض واضحة أو عدم اتخاذ إجراء كان من المفترض اتخاذه وفق المستوى المهني المطلوب.
قد ينشأ الخطأ كذلك أثناء اختيار العلاج أو تنفيذه، مثل استعمال دواء بطريقة غير مناسبة، أو ارتكاب خطأ في الجرعة، أو إجراء تدخل طبي بالمخالفة للأصول المهنية، بحسب ما تثبته الوقائع والخبرة الفنية.
لكن تقييم هذه المسائل يجب أن يكون فنيًا، ولا يصح استخلاص المسؤولية من النتيجة وحدها دون تقييم طبي متخصص للحالة.
لا تنتهي مسؤولية الممارس بمجرد إجراء العملية أو تقديم العلاج؛ فقد تكون المتابعة جزءًا أساسيًا من الرعاية الطبية، بحسب طبيعة الحالة.
ولذلك قد يكون التأخر في اكتشاف مضاعفة أو عدم التعامل مع مؤشر خطر ظاهر محل بحث عند تحديد ما إذا كان هناك نقص في المتابعة ترتب عليه ضرر للمريض.
قد ترتبط المسؤولية أيضًا بـالتقصير في الرقابة والإشراف، خاصة عندما تكون الرعاية مقدمة بواسطة فريق طبي أو عندما يتطلب الإجراء متابعة من ممارس أكثر تخصصًا.
ويجب هنا تحديد دور كل ممارس صحي بصورة مستقلة، فلا تنسب الأخطاء بصورة جماعية دون بيان العمل الذي قام به كل شخص ومدى مساهمته في النتيجة.
قد تتطلب حالة المريض الاستعانة بطبيب أو ممارس من تخصص آخر، ولذلك فإن عدم طلب الاستشارة عندما تستدعي الحالة ذلك قد يدخل ضمن صور الخطأ المهني إذا ثبت أنه ترتب عليه ضرر.
يمثل السجل الطبي أحد أهم عناصر الإثبات؛ لأنه يكشف تاريخ دخول المريض، والتشخيص، والفحوص، والأدوية، والتدخلات الطبية، والملاحظات السريرية، والتطورات التي طرأت على الحالة.
ولهذا يجب قراءة الملف الطبي بصورة متكاملة، وليس الاعتماد على تقرير أو صفحة واحدة منفصلة عن باقي التسلسل الطبي للحالة.
توقيع المريض على نموذج موافقة لإجراء طبي لا يعني أن الممارس الصحي أصبح معفى من المسؤولية عن أي خطأ مهني.
فقبول المريض للإجراء ومخاطره المتوقعة شيء، ووقوع خطأ مهني أثناء العلاج أو الجراحة أو المتابعة شيء آخر، كما أن النظام لا يجيز الاتفاق على إعفاء الممارس الصحي من المسؤولية عن الخطأ المهني.
تكتسب الخبرة الطبية والفنية أهمية كبيرة؛ لأن المحكمة أو الجهة المختصة تحتاج في كثير من الحالات إلى رأي متخصص يوضح الأصول الطبية الواجب اتباعها، وما إذا كان السلوك محل النزاع قد انحرف عنها.
وقد يتناول تقرير الخبرة سبب الضرر، ومدى سلامة التشخيص أو العلاج، وعلاقة الخطأ بالنتيجة، وما إذا كانت المضاعفة متوقعة أو كان يمكن تفاديها باتباع الرعاية المهنية اللازمة.
التقرير الطبي مهم، لكنه ليس المستند الوحيد في القضية؛ فقد تتعارض معه سجلات أخرى أو تقارير لاحقة أو نتائج فحوص أو بيانات موجودة داخل الملف الطبي.
ولهذا تكون المقارنة بين جميع المستندات الطبية وتواريخها وتسلسلها جزءًا أساسيًا في بناء المطالبة أو الدفاع.
يجب إثبات الضرر الذي ترتب على الخطأ الطبي، سواء تعلق بتدهور الحالة أو إصابة جديدة أو فقد منفعة أو احتياج إلى علاج إضافي أو غير ذلك من الأضرار التي يعتد بها وفق طبيعة الواقعة.
من أكثر المسائل أهمية إثبات أن الضرر نتج عن الخطأ المهني وليس عن مرض سابق أو تطور طبيعي للحالة أو سبب مستقل.
وقد تكون هذه المسألة معقدة عندما تتداخل عدة عوامل طبية في حدوث النتيجة، ولذلك تكون الخبرة المتخصصة ذات أهمية خاصة في بيان العلاقة السببية.
قد تترتب على الواقعة -بحسب طبيعتها- آثار تتعلق بالمسؤولية المدنية أو الجزائية أو التأديبية، ولا يعني ثبوت أحد هذه الجوانب بالضرورة تطابق شروط وآثار الجوانب الأخرى.
فالمطالبة بالتعويض لها أساسها، والمخالفة المهنية لها أحكامها، والمسؤولية الجزائية تتطلب تحقق شروطها الخاصة وفق الفعل الذي يثبت في القضية.
يرتبط جانب من المسؤولية الطبية كذلك بالتأمين ضد الأخطاء المهنية، الذي يمثل وسيلة لمعالجة الآثار المالية للتعويض في حدود التغطية والشروط المعمول بها، دون أن يعني وجود التأمين زوال مسؤولية الممارس أو المؤسسة الصحية.
من أهم الأدلة التي قد تكون محل دراسة: السجل الطبي، والتقارير، ونتائج المختبر والأشعة، والوصفات، ونماذج الموافقة، وتقارير العمليات، وسجلات التمريض، والمراسلات، وتقارير الخبرة.
وتظهر أهمية نظام الإثبات بصورة خاصة عند مناقشة الدليل الكتابي أو الرقمي والخبرة وما يقدم من تقارير ومستندات أمام الجهة المختصة.
كما أن التواريخ والمواعيد لها أهمية كبيرة: تاريخ العلاج، وظهور الضرر، واكتشاف الخطأ، وإعداد التقارير، والتظلم أو تقديم المطالبة، وتوقيت إجراءات الخبرة والإثبات.
ولهذا فإن إعداد تسلسل زمني كامل للملف الطبي والإجراءات يساعد بصورة كبيرة في فهم القضية وتحديد نقاط النزاع.
تنبيه قانوني: لا يعني وقوع ضرر للمريض تلقائيًا ثبوت خطأ طبي؛ فالمسؤولية تتطلب تحديد الخطأ المهني، وثبوت الضرر، ووجود علاقة سببية بينهما، ويظل تقييم الحالة مرتبطًا بوقائعها وملفها الطبي والخبرة الفنية والأدلة المقدمة في كل قضية.
تأتي هذه الحلقة ضمن الثقافة الحقوقية ، وهي سلسلة مرئية أقدم من خلالها شرحًا قانونيًا مبسطًا لعدد من القضايا والمسائل القانونية والنظامية التي تهم الجمهور والمتخصصين.