تمثل قمة نيبال للاستثمار منصة دولية للتعريف بالفرص الاستثمارية التي تسعى نيبال إلى تطويرها، وربط المشروعات والقطاعات الواعدة بالمستثمرين ومؤسسات التمويل والشركات والخبرات الدولية، مع التركيز على تحويل الاحتياجات التنموية إلى فرص اقتصادية قابلة للتنفيذ.
وتبرز أهمية نيبال استثماريًا في مجموعة من العناصر المتداخلة؛ من موارد الطاقة الكهرومائية والسياحة إلى الزراعة والتصنيع والبنية التحتية وتقنية المعلومات والخدمات، إلى جانب موقعها الجغرافي بين الهند والصين وما يمكن أن يتيحه مستقبلًا من فرص للتجارة والربط الاقتصادي الإقليمي.
وجاءت مشاركتي في القمة بدعوة من حكومة نيبال، وكانت فرصة للتعرف عن قرب إلى التوجهات الاقتصادية والاستثمارية للدولة، والتواصل مع مسؤولين ومستثمرين ورجال أعمال ومشاركين من دول مختلفة، ومناقشة الفرص والتحديات المرتبطة بالاستثمار في الأسواق الناشئة.
وعُقدت النسخة الثالثة من Nepal Investment Summit يومي 28 و29 أبريل 2024 في The Soaltee بالعاصمة كاتماندو، ضمن برنامج رسمي تضمن جلسات حوارية وعرض مشروعات ولقاءات مباشرة بين المستثمرين والقطاع الخاص والحكومة ومؤسسات التمويل والتنمية.
وأظهرت المواد الرسمية للقمة استهداف مشاركة أكثر من ألف مشارك، إلى جانب جلسات متخصصة وعشرات المتحدثين ولقاءات B2B وB2G، بما يعكس محاولة تقديم الاستثمار باعتباره منظومة تجمع بين المشروع والتمويل والسياسات والجهات الحكومية والشريك الخاص.
ومن القطاعات التي برزت في برنامج القمة الطاقة المتجددة والطاقة الكهرومائية والسياحة والتصنيع والزراعة والتصنيع الزراعي وتقنية المعلومات والنقل والتطوير الحضري والصحة والتعليم، إلى جانب مشروعات البنية التحتية والشراكة بين القطاعين العام والخاص.
وتتميز الطاقة الكهرومائية تحديدًا بأهمية كبيرة في الحالة النيبالية؛ فالموارد المائية والبيئة الجبلية تمنح البلاد إمكانات واسعة لتطوير مشروعات الطاقة، مع إمكانية ارتباط هذه المشروعات مستقبلًا بالتجارة الإقليمية للطاقة واحتياجات الأسواق المجاورة.
كما يظل قطاع السياحة من العناصر الأساسية في الاقتصاد النيبالي، إلا أن الفرصة الاستثمارية لا تقتصر على النشاط السياحي التقليدي، بل تمتد إلى الفنادق والبنية التحتية والنقل والخدمات والتقنيات والمنشآت التي تدعم تطوير تجربة الزائر واستدامة القطاع.
أما موقع نيبال بين الهند والصين فيمنحها بُعدًا استراتيجيًا يتجاوز حجم سوقها المحلية، إذ يمكن النظر إلى بعض الاستثمارات من زاوية الربط الإقليمي وسلاسل الإمداد والوصول إلى بيئة اقتصادية آسيوية أوسع، مع بقاء ذلك مرتبطًا بتطور البنية التحتية والسياسات التجارية والربط اللوجستي.
وأحد الجوانب المهمة في تجربة القمة هو أن نيبال لم تركز على عرض الفرص والمشروعات وحدها؛ بل اقترنت الاستعدادات بإجراءات تستهدف تحسين مناخ الاستثمار ومراجعة عدد من الجوانب النظامية والإجرائية ذات الصلة بدخول المستثمر الأجنبي ومباشرة النشاط.
وقد شهد توقيت القمة تعديلات على عدد من القواعد المتعلقة بالاستثمار، من بينها إجراءات الموافقة على الاستثمار الأجنبي وبعض القيود التشغيلية، في محاولة لتسهيل دخول رأس المال وتحسين القدرة على تنفيذ المشروعات وليس مجرد الإعلان عنها.
وكان من اللقاءات التي أقدرها خلال مشاركتي اجتماعي مع Nava Raj Subedi، الذي كان يشغل آنذاك منصب سفير نيبال لدى المملكة العربية السعودية، ودار بيننا نقاش حول فرص التعاون ومجالات الاستثمار وإمكانات تطوير قنوات التواصل بين مجتمعَي الأعمال.
وتكتسب مثل هذه اللقاءات قيمتها من أنها تتيح الانتقال من المعلومات العامة المعروضة في الجلسات إلى مناقشة أكثر واقعية لما يحتاج إليه المستثمر، وما يمكن للسوق الناشئ تقديمه، والعوائق التي يجب معالجتها قبل اتخاذ قرار الدخول.
كما أن العلاقات السعودية النيبالية تتيح مجالًا للنظر إلى التعاون الاقتصادي بصورة أوسع من العلاقات التقليدية؛ إذ يمكن أن تشمل الطاقة والسياحة والبنية التحتية والأغذية والخدمات والتقنيات والتبادل التجاري والاستثمار، متى وجدت المشروعات والشركاء والجدوى المناسبة.
ومن الناحية القانونية والاستثمارية، فإن وجود فرصة اقتصادية واعدة لا يكفي وحده لاتخاذ قرار الاستثمار؛ فالمستثمر يحتاج إلى فهم القواعد المنظمة لدخول رأس المال، وشكل الكيان القانوني، والتراخيص، والضرائب، وتحويل الأموال والأرباح، وحقوق الملكية، ومدى استقرار الإجراءات والقرارات.
كما يحتاج الاستثمار في مشروعات البنية التحتية والطاقة والشراكات طويلة الأجل إلى فحص أعمق لنظام تخصيص المشروع والأرض والتمويل والضمانات الحكومية – إن وجدت – وتعرفة الخدمة أو المنتج، وعقود الشراء، والمخاطر السياسية والتنظيمية، وآليات تعديل العقد أو إنهائه.
وفي المشروعات المشتركة، تبرز كذلك أهمية تحديد نسب المشاركة والتمويل والإدارة والحوكمة وصلاحيات اتخاذ القرار وتوزيع الأرباح والمخاطر وآليات التخارج، إلى جانب القانون الواجب التطبيق وتسوية المنازعات.
ولهذا فإن نجاح القمم الاستثمارية لا يقاس بعدد المشروعات التي تُعرض خلالها وحده، وإنما بقدرة الدولة بعد انتهاء الفعالية على تحويل اهتمام المستثمرين إلى دراسات جادة ثم قرارات ومشروعات فعلية، مع توفير وضوح إجرائي ومؤسسات قادرة على التنفيذ والمتابعة.
وقد تركت مشاركتي في قمة نيبال للاستثمار انطباعًا إيجابيًا عن جدية الدولة في إبراز نفسها على خريطة الاستثمار الدولية، وفي الوقت نفسه أكدت أن المنافسة بين الأسواق الناشئة لا تحسم بالموارد والفرص وحدها، بل بجودة بيئة الأعمال وقدرتها على توفير الثقة والاستقرار وسهولة التنفيذ.
وتظل نيبال من الأسواق التي تستحق المتابعة بالنسبة للمستثمر الذي ينظر إلى المدى المتوسط والطويل، خصوصًا مع مواردها الطبيعية واحتياجاتها التنموية وموقعها الجغرافي وطموحها إلى استقطاب رأس المال والخبرة والتقنية والشراكات الدولية.
وفي ختام هذه المشاركة، أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى حكومة نيبال على دعوتها الكريمة لي للمشاركة في القمة، وإلى Investment Board Nepal والجهات المنظمة على حسن التنظيم، وإلى كل من أتيحت لي فرصة اللقاء والتواصل معه خلال هذه المشاركة.
دكتور هشام منصان