في واحدة من أبرز المنصات العالمية المعنية بمستقبل المعادن والتعدين وسلاسل القيمة، جمعت النسخة الرابعة من مؤتمر التعدين الدولي Future Minerals Forum 2025 قيادات حكومية وصناعية ومستثمرين ومؤسسات مالية وشركات تعدين وتقنية وخبراء من مختلف أنحاء العالم، لتضع المملكة في قلب الحوار الدولي حول المعادن الحرجة والاستثمار والتكنولوجيا والاستدامة.
وعكست نسخة 2025 الحجم المتنامي للمؤتمر؛ إذ سجل المنتدى نحو 18 ألف مشارك، إلى جانب 170 جهة عارضة ومئات المتحدثين والاجتماعات المهنية، بما رسخ مكانته كمنصة دولية تجمع مختلف أطراف سلسلة القيمة المعدنية.
كما انتهت أعمال النسخة بتوقيع 126 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة إجمالية بلغت 107 مليارات ريال، وشملت مجالات الاستكشاف والتعدين والتمويل والبحث والتطوير والابتكار والاستدامة وسلاسل القيمة والصناعات المعدنية.
وأقيم المؤتمر خلال الفترة من 14 إلى 16 يناير 2025 تحت شعار تحقيق الأثر | Year of Impact في مركز الملك عبدالعزيز الدولي للمؤتمرات | King Abdulaziz International Conference Center .
ونظمت وزارة الصناعة والثروة المعدنية | Ministry of Industry and Mineral Resources النسخة الرابعة من المؤتمر تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين، ضمن توجه يستهدف تعزيز دور المملكة كمركز عالمي للحوار والاستثمار والتعاون في قطاع المعادن والتعدين.
وتزداد أهمية المؤتمر مع تحول المعادن الحرجة إلى ملف إستراتيجي عالمي؛ فالنحاس والليثيوم والنيكل والكوبالت وغيرها من المعادن المرتبطة بالطاقة والتقنيات المتقدمة أصبحت جزءًا رئيسيًا من أمن سلاسل الإمداد والصناعة والاقتصاد العالمي.
وتشرّفت بالمشاركة في مؤتمر التعدين الدولي 2025 | Future Minerals Forum، وكانت المشاركة فرصة مهنية مهمة للاطلاع على اتجاهات عالمية في الاستثمار التعديني والتكنولوجيا والاستكشاف وسلاسل الإمداد، والتواصل مع شركات وخبرات تعمل في مراحل مختلفة من سلسلة القيمة المعدنية.
وما يميز المؤتمر أن الحوار لم يقتصر على استخراج الموارد؛ بل امتد إلى الاستكشاف والتمويل والمعالجة والتصنيع والتقنيات الرقمية والاستدامة وإدارة المخاطر، بما يعكس انتقال قطاع التعدين إلى منظومة صناعية واستثمارية وتقنية متكاملة.
ومن منظور خبرتي القانونية، ترتبط المشروعات التعدينية بطبيعتها بعقود طويلة الأجل واستثمارات رأسمالية مرتفعة، وهو ما يجعل وضوح الرخص والحقوق والالتزامات والتمويل والتوريد والمخاطر البيئية وتسوية المنازعات عنصرًا أساسيًا منذ المراحل الأولى للمشروع.
ركزت مناقشات المؤتمر على الانتقال من مجرد استخراج المواد الخام إلى تطوير سلاسل قيمة تشمل المعالجة والتصنيع والصناعات المرتبطة بالمعادن، بما يرفع القيمة الاقتصادية للموارد ويخلق فرصًا أوسع للاستثمار والتقنية والخدمات.
كما أظهرت الاتفاقيات المعلنة أن الاستثمار التعديني لم يعد منفصلًا عن البنية التحتية والتمويل والبحث والتطوير؛ فالمشروعات الكبرى تحتاج إلى منظومة تضم المستثمر والممول والمقاول ومقدم التكنولوجيا والمشغل والجهات التنظيمية.
ومن الناحية القانونية، كلما زاد عدد الأطراف في المشروع زادت أهمية تحديد نطاق المسؤوليات والجدول الزمني ومعايير الأداء وآلية تغيير الأعمال وضمانات التنفيذ وشروط إنهاء العقد وتسوية النزاع.
وكان حضور التكنولوجيا واضحًا في المؤتمر، من تقنيات الاستكشاف وتحليل البيانات إلى الذكاء الاصطناعي والاستشعار والأتمتة، وهي أدوات تساعد الشركات على فهم التكوينات الجيولوجية بصورة أدق وتقليل عدم اليقين ورفع كفاءة القرارات الاستثمارية والتشغيلية.
لكن إدخال الأنظمة الرقمية إلى عمليات التعدين يخلق بدوره مسائل قانونية تتعلق بملكية البيانات وحقوق استخدام البرمجيات وسرية المعلومات الجيولوجية والأمن السيبراني والمسؤولية عن مخرجات الأنظمة التقنية.
وفي المملكة يقوم الإطار النظامي للقطاع على نظام الاستثمار التعديني ولائحته التنفيذية، بما ينظم أنواع الرخص والحقوق والالتزامات المتعلقة بالاستطلاع والكشف والاستغلال والعمليات التعدينية.
كما ترتبط بعض مراحل الاستثمار التعديني بالمتطلبات البيئية والاجتماعية وخطط إعادة التأهيل والإغلاق، وهو ما يجعل الاستدامة جزءًا من التخطيط القانوني والمالي للمشروع، وليس مجرد جانب تسويقي منفصل.
ويتداخل نظام البيئة مع الأنشطة التعدينية من خلال المتطلبات والضوابط البيئية ذات الصلة، ولذلك يحتاج المستثمر إلى التعامل مع المشروع باعتباره منظومة تراخيص والتزامات مترابطة منذ مرحلة الدراسة وحتى الإغلاق.
وعلى هامش المؤتمر، كان لي لقاء مع د. محمد خليل وم. عمر خليل من Masharef Advanced Company for Geological Consulting & Mining ، وهي شركة سعودية متخصصة في الاستشارات الجيولوجية وخدمات التعدين والاستكشاف، وكان اللقاء فرصة لمناقشة فرص التعاون والخدمات الفنية والتقنية المرتبطة بتطوير المشروعات التعدينية.
وشكل النقاش مع د. محمد خليل و م. عمر خليل فرصة لتبادل الرؤى حول الجوانب الفنية والاستشارية للمشروعات، وأهمية الدراسات الجيولوجية والبيانات في تقليل المخاطر قبل الانتقال إلى مراحل الاستثمار والتنفيذ.
وتبرز أهمية الشركات الاستشارية المتخصصة في قطاع التعدين لأنها تساعد المستثمر على الانتقال من فكرة المشروع إلى دراسة الموارد والبيانات والفرص الفنية والمخاطر، ثم بناء نموذج أكثر وضوحًا قبل الدخول في مراحل الإنفاق الرأسمالي.
ومن الجانب التعاقدي، تحتاج أعمال الاستشارات الجيولوجية والفنية إلى تعريف دقيق لمخرجات المهمة ومستوى الاعتماد على البيانات وحدود المسؤولية وملكية الدراسات والتقارير وسرية المعلومات، خصوصًا عندما تستخدم النتائج لاحقًا في قرارات استثمارية كبيرة.
كما سعدت بلقاء Sara Sulway ، Product Strategy Manager في IMDEX ، وهي شركة أسترالية عالمية متخصصة في تقنيات التعدين والاستكشاف والحفر وبيانات علوم الأرض والحلول الرقمية، وكان النقاش فرصة لتبادل الأفكار حول دور البيانات والتكنولوجيا في تحسين دقة الاستكشاف ورفع كفاءة القرارات التعدينية وتحقيق نتائج أكثر استدامة. ( أستراليا | Australia )
وتجسد تقنيات IMDEX التحول الذي يشهده قطاع التعدين عالميًا؛ إذ أصبحت البيانات الجيولوجية الدقيقة والتحليل الرقمي وربط أدوات الحفر بالبرمجيات عناصر تساعد على تقليل عدم اليقين في الاستكشاف واتخاذ قرارات أكثر كفاءة.
ويخلق هذا التحول التقني مساحة متزايدة للتعاون بين الشركات التعدينية ومطوري التكنولوجيا والخبرات القانونية؛ لأن العقود الحديثة لم تعد تتعلق بتوريد جهاز فقط، بل قد تشمل تراخيص برمجيات وخدمات سحابية وبيانات ودعمًا فنيًا وحقوق ملكية فكرية والتزامات مستمرة.
أحد أهم ما يميز مؤتمر التعدين الدولي هو أنه يجمع في مكان واحد الحكومات والمستثمرين وشركات التعدين والتكنولوجيا والخدمات المالية والاستشارية، بما يسمح بتحويل الحوار حول الموارد إلى علاقات عملية واستثمارات واتفاقيات ومشروعات مشتركة.
كما أن وجود شركات وأجنحة وطنية من أسواق تعدين رئيسة يمنح المشاركين فرصة للتعرف مباشرة على نماذج مختلفة في الاستكشاف والتكنولوجيا والتمويل، ومقارنة احتياجات الشركات والمستثمرين والأسواق.
ومن واقع اللقاءات المهنية، يظل الجانب القانوني عنصرًا حاضرًا في أي تعاون عابر للحدود؛ بدءًا من تأسيس العلاقة التجارية واختيار نموذج الاستثمار، مرورًا بالعقود والتراخيص ونقل التقنية، وصولًا إلى إدارة المخاطر والمسؤولية وآليات تسوية المنازعات.
وأكدت هذه المشاركة أن مستقبل التعدين لا يصنعه المورد المعدني وحده؛ بل يصنعه التكامل بين الجيولوجيا ورأس المال والتكنولوجيا والتنظيم القانوني والاستدامة، وهو ما يجعل القطاع أحد أكثر القطاعات ارتباطًا بالاستثمار الدولي طويل الأجل.
وفي ختام هذه المشاركة، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى وزارة الصناعة والثروة المعدنية والجهات المنظمة على دعوتها الكريمة لي للمشاركة في هذا الحدث الدولي، وعلى ما قدمته من تنظيم متميز ومساحة ثرية للحوار والتواصل وتبادل الخبرات، مع خالص التقدير لكل من أسهم في نجاح هذه التجربة.