يمثل منتدى المحتوى المحلي إحدى المنصات المهمة في المملكة التي تجمع الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمستثمرين حول تنمية المحتوى المحلي، وتوطين الصناعات ونقل المعرفة، وتحويل الإنفاق والمشروعات إلى قيمة اقتصادية أوسع داخل المملكة.
وتبرز أهمية المنتدى في أنه لا يناقش المحتوى المحلي باعتباره مفهومًا اقتصاديًا مجردًا؛ بل يربطه بفرص الاستثمار والتصنيع والمشتريات وسلاسل الإمداد وبناء القدرات الوطنية، وهو ما يجعله وثيق الصلة بمستقبل الصناعة والاستثمار في المملكة.
وأقيم منتدى المحتوى المحلي 2024 | Local Content Forum 2024 في نسخته الثانية خلال الفترة من 20 إلى 22 نوفمبر 2024 تحت شعار «شراكات لتنمية مستدامة» في مدينة الرياض | Riyadh .
ونظمت المنتدى هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية ، بمشاركة واسعة من الجهات الحكومية والقطاع الخاص والشركات المملوكة للدولة والمنشآت الصغيرة والمتوسطة والمستثمرين الدوليين والقطاع غير الربحي.
وبحسب تقرير برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية لعام 2024، استقطبت النسخة الثانية أكثر من 6,000 زائر، وشهدت أكثر من 40 اتفاقية ومذكرة تفاهم، إضافة إلى عشرات الورش المتخصصة والجهات المشاركة، وهو ما يعكس حجم الاهتمام بملف المحتوى المحلي.
ويأتي المنتدى ضمن مسار أوسع من الجهود الكبيرة التي تبذلها المملكة العربية السعودية لتنويع الاقتصاد وتعزيز الاستثمار وتطوير الصناعة الوطنية، وربط المشروعات والإنفاق الاقتصادي ببناء القدرات والإنتاج وسلاسل القيمة داخل المملكة.
ومن وجهة نظري المهنية، فإن ما يميز التجربة السعودية في هذا المجال هو أن الاستثمار لا يُنظر إليه باعتباره تدفقًا لرأس المال فقط؛ بل باعتباره فرصة أيضًا لتوطين الصناعة، وتطوير الموردين، ونقل المعرفة والتقنية، ورفع مساهمة القوى العاملة والمنتجات والخدمات الوطنية.
وفي تقديري، فإن هذا التكامل بين الاستثمار والمحتوى المحلي والمشتريات الحكومية والصناعة ونقل التقنية يمثل أحد عناصر القوة في البيئة الاقتصادية السعودية؛ لأنه يساعد على تحويل النمو الاستثماري إلى أثر أعمق وأكثر استدامة داخل الاقتصاد.
ويظهر هذا التوجه كذلك في عدد من القطاعات التي تعمل المملكة على تطوير سلاسل القيمة فيها ورفع مستوى التقنية والاستثمار، وهو جانب تناولته في مشاركتي حول مستقبل التعدين والاستثمار في عصر الثورة الصناعية الرابعة ، حيث يتكامل الاستثمار والتقنية والإنتاج المحلي في بناء قيمة اقتصادية أكبر.
وتشرّفت بالمشاركة في المنتدى بدعوة كريمة من الجهة المنظمة، وكانت المشاركة فرصة للاطلاع على المبادرات والبرامج المرتبطة بالمحتوى المحلي، ومتابعة النقاشات حول الاستثمار والتوطين ونقل المعرفة، ودور الشركات والجهات المختلفة في تطوير القدرات الوطنية.
كما أتاح المنتدى مساحة مهمة للتواصل مع المشاركين والمهتمين بالقطاع، والتعرف بصورة أقرب على العلاقة بين المحتوى المحلي وقرارات الاستثمار والتصنيع وسلاسل الإمداد والمشتريات، وهي علاقة أراها أساسية عند تقييم الأثر الاقتصادي الحقيقي للمشروعات.
وبحسب ما نشرته وكالة الأنباء السعودية، شهد المنتدى توقيع اتفاقيات وإطلاق برامج لتنمية المحتوى المحلي، إلى جانب اتفاقيات ترتبط بتوطين الصناعات ونقل المعرفة وتطوير القدرات في عدد من القطاعات.
وفي تقديري، فإن القيمة الأهم لهذه الاتفاقيات هي انتقال مفهوم المحتوى المحلي من الأهداف العامة إلى برامج وعقود ومشروعات يمكن قياس أثرها، بما يسهم في تطوير الموردين المحليين وزيادة الإنتاج ونقل التقنية والخبرة.
كما أن مشاركة المستثمرين الدوليين في المنتدى توضح أن تنمية المحتوى المحلي لا تتعارض مع جذب الاستثمار الأجنبي؛ بل يمكن أن تعمل معه بصورة متكاملة عندما يؤدي الاستثمار إلى تأسيس نشاط وإنتاج وتوظيف وتطوير موردين ونقل معرفة داخل المملكة.
ومن منظوري كخبير قانوني، فإن نظام المنافسات والمشتريات الحكومية يمثل أحد الأطر النظامية الرئيسة المرتبطة بهذا المجال؛ إذ نص على إعداد لائحة لتفضيل المحتوى المحلي والمنشآت الصغيرة والمتوسطة المحلية والشركات المدرجة في السوق المالية في الأعمال والمشتريات.
وتنظم لائحة تفضيل المحتوى المحلي آليات متعددة، من بينها القائمة الإلزامية للمنتجات الوطنية، والتفضيل السعري للمنتج الوطني، ووزن المحتوى المحلي في التقييم المالي، والحد الأدنى المطلوب للمحتوى المحلي وفق الحالات التي تنطبق عليها أحكام اللائحة.
ولهذا فإن المستثمر أو المتعاقد يحتاج إلى دراسة المتطلبات المرتبطة بالمشروع والعقد بصورة دقيقة؛ لأن تطبيق متطلبات المحتوى المحلي يختلف بحسب طبيعة المنافسة أو القطاع أو المشروع أو الأداة التنظيمية المستخدمة.
كما لا يصح القول إن كل استثمار أجنبي يخضع تلقائيًا لنسبة توطين واحدة أو لمتطلبات محتوى محلي موحدة؛ فهذه الالتزامات قد تنشأ من الأنظمة أو اللوائح القطاعية أو العقود أو شروط البرامج والحوافز بحسب كل حالة.
وأرى أن أهم ما يقدمه هذا المسار للاقتصاد السعودي هو تعميق أثر الاستثمار؛ فالمشروع يصبح أكثر قيمة عندما لا يقتصر أثره على رأس المال، وإنما يساهم كذلك في تطوير الصناعة والموردين والكفاءات ونقل المعرفة والتقنية.
ومن هنا تظهر أهمية الجهود التي تبذلها المملكة في ربط الاستثمار بالصناعة والمحتوى المحلي والخدمات اللوجستية والمشروعات الكبرى؛ فهذه العناصر عندما تعمل معًا تساعد على بناء قاعدة اقتصادية أكثر تنوعًا وقدرة على المنافسة.
كما أن نجاح المملكة في جذب الشركات والاستثمارات بالتوازي مع تطوير سياسات المحتوى المحلي يعكس، من وجهة نظري، قدرة متقدمة على الموازنة بين الانفتاح على الاستثمار العالمي وتعظيم القيمة الاقتصادية التي تبقى داخل السوق السعودية.
ولهذا أرى أن منتدى المحتوى المحلي يمثل أكثر من مجرد فعالية متخصصة؛ فهو يعكس جانبًا من التحول الاقتصادي الذي تعمل عليه المملكة لبناء اقتصاد أكثر إنتاجًا، وتعزيز حضور الصناعة الوطنية، ورفع قدرة الشركات والموردين المحليين على المشاركة في الفرص والمشروعات.
وفي ختام هذه المشاركة، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية على دعوتها الكريمة لي للمشاركة في هذا الحدث، وعلى ما قدمته من تنظيم متميز ومساحة ثرية للحوار والتواصل وتبادل الخبرات، مع خالص التقدير لكل من أسهم في نجاح هذه التجربة.