هناك أخبار تمر علينا فنقرؤها ثم نمضي، وأخبار أخرى تستوقفنا؛ لأنها تمس الوطن والذاكرة والوجدان معًا. ومن هذا النوع إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي أن عام 2030 سيكون نهاية مدة رئاسته، وأن الأمر محسوم، مع تأكيده أن الدستور لن يُمس.
لم يأتِ هذا الإعلان منفصلًا عن سياقه. ففي الندوة التثقيفية للقوات المسلحة بمناسبة ذكرى انتصارات أكتوبر، يوم 14 أكتوبر، أكد الرئيس أن الدستور لن يمسه أحد. وفي اليوم التالي، خلال احتفال أكاديمية الشرطة، قال إنه سيواصل العمل حتى آخر يوم من مدة رئاسته في عام 2030. ثم عاد يوم 17 أكتوبر، في حفل الأكاديمية العسكرية، ليؤكد أن انتهاء المدة في ذلك العام أمر محسوم، وليتحدث عن إعداد جيل جديد من القادة.
استوقفني الخبر لما أثاره في داخلي من مشاعر وطنية وإنسانية. فأنا أحب هذا الرجل، وأقدّر ما قدمه لمصر في مرحلة عصيبة، وما تحمله من مسؤوليات فيما واجهته البلاد من أزمات ومآزق. أقول ذلك عن قناعة شخصية صادقة، وعن محبة لمصر ولمن أراه قد تحمل أمانتها في وقت شديد الصعوبة.
حين أصف الرئيس السيسي بأنه القوي الأمين، فأنا أعبّر عن تقديري الشخصي لما رأيته من تحمله للمسؤولية في المحن، وما أراه من إخلاصه لمصر. فالقوة في قيادة الدولة قدرة على فهم الأخطار واتخاذ القرار، والأمانة أن تكون المسؤولية موجهة إلى مصلحة الوطن، وأن تُمارس في إطار يحفظ الدولة ومؤسساتها.
وبحكم تخصصي في القانون الدستوري، أرى أن تقدير القائد لا ينفصل عن تقدير ما يقرره الدستور من واجبات وحدود. فالمادة 139 تجعل من واجبات رئيس الجمهورية رعاية مصالح الشعب، والحفاظ على استقلال الوطن ووحدة أراضيه وسلامتها، والالتزام بأحكام الدستور. وتحدد المادة 140 مدة الرئاسة بست سنوات، وألا يتولى الرئيس الرئاسة لأكثر من مدتين متتاليتين. ثم أضاف تعديل 2019 حكمًا انتقاليًا أتاح للرئيس الحالي الترشح لولاية أخرى، وهي التي تنتهي في 2030.
الدستور يحمي الوطن وينظم تداول المسؤولية، كما يضع للسلطة إطارًا معلومًا. لذلك فإن إعلان الرئيس موعد انتهاء ولايته، في ظل تأكيده عدم المساس بالدستور، يكتسب أهمية سياسية ودستورية. غير أن ما فاجأني وأثار تقديري بدرجة أكبر هو حديثه عن إعداد جيل من القادة؛ فهذه الفكرة تنقل النقاش من سؤال نهاية الولاية إلى سؤال أعمق: كيف نحمي الدولة من أن تسند مسؤولية قيادتها إلى من لا يملك مقوماتها؟
أفهم من طرح الرئيس إعداد جيل من القادة معنى يتجاوز التدريب على شغل المناصب أو الحصول على مؤهلات علمية. فالتأهيل الذي تحتاجه مصر لمن يتولى مقعد الرئاسة أعمق من الشهادة الجامعية، وأوسع من المعرفة النظرية؛ إنه قدرة مركبة على فهم الدولة ومؤسساتها، وقراءة ما يحيط بها من حسابات داخلية وإقليمية ودولية، وتقدير الموقف في ظروف تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والاقتصادية والأمنية، واتخاذ القرار في وقته وعلى ضوء آثاره ومسؤولياته.
إن إدارة دولة بحجم مصر لا تقوم على المعرفة الأكاديمية وحدها. إنها تحتاج إلى خبرة في فهم موازين القوى، وإدراك لطبيعة مؤسسات الدولة، وقدرة على التعامل مع المعلومات المتعارضة، وعلى التمييز بين القرار العاجل والقرار الاستراتيجي، وتقدير نتائج الخطوات قبل اتخاذها. وهذه جوانب متداخلة ومعقدة، لا تختصرها شهادة أو لقب علمي.
ومن هنا أرى أن إعداد القادة قد يعفي البلاد من مغبة أن يتسلل إلى هذا المقعد شخص غير مؤهل لتحمل أعبائه، أو لا يدرك تعقيد الدولة وحساسية القرارات المتصلة بمصيرها. ولا يعني التأهيل وصاية على الشعب أو قيدًا على حقه في الاختيار؛ فالكلمة الأخيرة للشعب وحده، ولا وصاية عليه من شخص أو مؤسسة أو جهة. دور الإعداد أن يهيئ أصحاب الكفاءة للمسؤولية، أما اختيار من يتولى القيادة فيبقى حقًا للشعب وفق الدستور والقانون.
وهنا تظهر قيمة ما أعلنه الرئيس عن برنامج لإعداد القادة، بشرط أن يقوم على معايير واضحة، وأن يحدد بجلاء طبيعة التأهيل ومراحله ومجالاته، وأن يضمن تكافؤ الفرص، وألا يتحول إلى مسار مغلق أو شرط يحصر الخيارات. فالبرنامج الناجح يضيف إلى قدرة المواطنين على الاختيار، ولا ينتقص من إرادتهم.
حين كنت شابًا، وأثناء دراستي الجامعية لدستور مصر الصادر سنة 1971، كان تعديل المادة 77 في عهد الرئيس أنور السادات، بما أتاح إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمدد أخرى، يُعرض أمامنا أحيانًا باعتباره تلاعبًا بالدستور من أجل البقاء في السلطة. ولم أكن وقتها أملك الخبرة الكافية لفهم سياق تلك المرحلة، ولا ما حملته حياة السادات ومسيرته لمصر في الحرب والسلام..
وفي ذاكرتي يحضر جمال عبد الناصر والسادات معًا؛ فقد حكم كل منهما مصر في ظروف مختلفة، واجتهد وفق معطيات عصره، وحكم بلاده بوطنية، وإن اختلفت التجارب والنتائج. أما دستور 1971 وتعديله سنة 1980 فكانا في عهد السادات، وقد ارتبط التعديل في وجدان كثيرين بمكانة رجل رأوا فيه قائدًا حمل أمانة الوطن في الحرب والسلام.
ومع مرور الزمن، تغيرت قراءتي لتلك المرحلة. لم أعد أراها مجرد مادة دستورية جرى تعديلها؛ أرى فيها أيضًا تعبيرًا عن مشاعر بعض المصريين تجاه قائد أحبوه، ورأوا فيه أبًا وكبيرًا للعائلة. وقد فهمت أن موافقتهم على التعديل كانت، في نظرهم، رغبة في استمرار رجل يعتقدون أنه قادر على مواصلة قيادة البلاد. هذه قراءتي الشخصية، لا أتحدث بها باسم كل المصريين، ولا أحسم بها الجدل حول ذلك التعديل.
ثم جاء الرئيس حسني مبارك، بما له من تاريخ عسكري وسياسي. وما زال خطابه الأخير في 10 فبراير 2011 حاضرًا في ذاكرتي؛ فقد أعلن فيه أنه لن يترشح للانتخابات الرئاسية التالية، وتمسك بمواصلة مسؤولياته حتى موعد تسليم السلطة. وقد شعرت، وأنا أتابع الخطاب، أن الرجل يطلب فرصة ليكمل ما تعهد به، وأنه يرى نفسه مؤتمنًا على بلد عاش معه سنوات الحرب والسلام.
وفي اليوم التالي، أعلن نائبه تخليه عن منصب رئيس الجمهورية، وكُلّف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد. كانت لحظة صعبة واستثنائية، واختلفت حولها الآراء والتقديرات. ومع ذلك، لا أرى أن الإنصاف يقتضي محو ما قدمه مبارك في مسيرته العسكرية والوطنية، أو اختزال تاريخه في المرحلة الأخيرة من حكمه.
سيدي الرئيس، أرى في إعلانك أن 2030 نهاية مدة الرئاسة، وفي حديثك عن إعداد جيل من القادة، موقفًا يستحق التقدير. وأرى أن انتهاء المسؤولية الرسمية لا يلغي أثر القائد ولا مكانته؛ فبإمكانك أن تبقى أبًا وكبيرًا لعائلة مصر كلها، بما تملكه من تجربة وما قدمته من جهد وما حملته من أمانة.
لكنني أرى أيضًا أن ما قدمته لمصر، وما تحملته في مرحلة عصيبة، يبرران أن نطرح اقتراحًا جادًا بتعديل دستوري استثنائي يتيح تمديد فترة ولايتك. لا أطرح هذا الاقتراح وفاءً لك وحدك، وإنما لما أراه في استمرار قيادتك من مصلحة لمصر، وحاجة إلى استكمال ما بدأته، والاستفادة من خبرتك في مرحلة ما زالت تواجه فيها البلاد تحديات كبيرة.
وأعلم أن الرئيس السيسي أعلن أن نهاية ولايته في 2030 محسومة، وأن الدستور لن يُمس. أما اقتراح التمديد فهو رأيي الشخصي، ولا أنسبه إلى الرئيس. ومن الناحية الدستورية، لا يكفي طرح هذا الاقتراح أو تأييده شعبيًا وحده؛ فالمادة 226 تحدد إجراءات تعديل الدستور، كما تضع قيدًا موضوعيًا مؤداه عدم جواز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، إلا إذا كان التعديل متعلقًا بالمزيد من الضمانات. لذلك فإن أي مقترح يمس مدة الولاية أو إعادة الانتخاب يجب أن يبيّن مدى توافقه مع هذا القيد، وأن يستوفي الإجراءات الدستورية المقررة، قبل عرضه على الشعب. .
ومع ذلك، أقولها بوضوح: إذا طُرح اقتراح التمديد في طريق دستوري سليم، وعُرضت أسبابه وآثاره على الشعب، فالكلمة الأخيرة لشعب مصر وحده. لا وصاية عليه من أحد أو جهة، ولا أقبل أن تُصادر إرادته. وإذا اختار المصريون هذا الاستثناء، اقتناعًا منهم بأنه يخدم مصلحة مصر، فسأكون معهم ومؤيدًا له.
أقول ذلك كمواطن مصري يرى في الرئيس السيسي القوي الأمين، ويعتقد أن الوفاء له لا ينفصل عن تقدير مصلحة الوطن. فلا أطلب منصبًا، ولا أبحث عن موقع سياسي؛ إنما أطرح رأيًا أؤمن به، وأترك للشعب كلمته التي لا تعلوها وصاية.
أقترح أن تكون الخاتمة:
حفظ الله مصر، بلدي الغالية، وأهلها، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، وألهم أبناءها ما فيه خيرها وصون أمانتها.