اجتمعت في الرياض واحدة من أرفع المنصات الدولية المعنية بمستقبل الصناعة، في مشهد جمع الحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص والخبراء والمبتكرين حول سؤال واحد كبير: كيف ستبدو الصناعة العالمية في العقود المقبلة؟
جاء ذلك ضمن الدورة الحادية والعشرين للمؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية UNIDO GC21 بالتوازي مع Global Industry Summit 2025، حيث امتد الحوار من الاستثمار والشراكات إلى الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والصناعة الخضراء وسلاسل الإمداد وتنمية القدرات البشرية.
ولم يكن المؤتمر العام اجتماعًا فنيًا عاديًا؛ فهو أعلى أجهزة صنع السياسات في منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، وتجتمع من خلاله الدول الأعضاء لاعتماد التوجهات والسياسات وبرنامج العمل والميزانية والقرارات الرئيسية للمنظمة. [١]
وعكست دورة الرياض حجمًا استثنائيًا من الحضور الدولي؛ إذ شهد الافتتاح وفودًا وسفراء من الدول الأعضاء البالغ عددها ١٧٣ دولة، وأكثر من ٤٥ وزيرًا، إلى جانب ممثلين عن وكالات الأمم المتحدة والقطاع الخاص، مع تسجيل نحو ٥٠٠٠ مشارك. [٢]
وانعقدت أعمال المؤتمر والقمة في مركز الملك عبدالعزيز الدولي للمؤتمرات بالرياض خلال الفترة من ٢٣ إلى ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٥م. [٣]
بعد هذا المشهد الدولي الواسع، كان حضوري للحدث فرصة شخصية ومهنية لمتابعة هذا الحوار العالمي عن قرب، والاستماع إلى رؤى متباينة حول التحولات التي تعيد تشكيل الصناعة والاستثمار والتكنولوجيا.
وما لفت انتباهي منذ البداية أن الصناعة لم تعد تُطرح باعتبارها مصانع وخطوط إنتاج فقط؛ بل باعتبارها منظومة تلتقي فيها التكنولوجيا والطاقة والاستثمار والقانون والاستدامة والمهارات البشرية والعلاقات الدولية.
كان من أبرز ما ميّز Global Industry Summit الربط المباشر بين مستقبل التصنيع والاستثمار والشراكات والتكنولوجيا الجديدة، بدل مناقشة كل منها باعتباره ملفًا منفصلًا.
وخصصت القمة يومًا للاستثمار والشراكات تحت محور Investment and Partnership: The Future of Industrialization – AI as a Gamechanger، مع مناقشة الفرص القطاعية والدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في تغيير نموذج التصنيع نفسه. [٤]
من زاويتي المهنية، هذا التحول مهم جدًا؛ لأن قرار الاستثمار الصناعي أصبح يرتبط بعوامل أكثر تعقيدًا من رأس المال والموقع والعمالة. فالبيانات، والأتمتة، والذكاء الاصطناعي، وكفاءة الطاقة، وسلاسل التوريد، وحماية التكنولوجيا أصبحت جزءًا من الحساب الاستثماري نفسه.
من الموضوعات التي استوقفتني بوضوح AI in Manufacturing؛ فلم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مساندة، وإنما أصبح يدخل في تخطيط الإنتاج والصيانة الاستباقية وتحليل البيانات وضبط الجودة وإدارة الموارد والتنبؤ بالطلب.
وخلال حضوري، دار لي نقاش مع خبراء من اليابان وألمانيا والسعودية حول استخدام الذكاء الاصطناعي الصناعي لرفع الكفاءة الإنتاجية وتقليل الهدر والانبعاثات.
وهذه النقاشات أكدت لي أن الفارق بين المصنع التقليدي والمصنع الذكي لن يكون في عدد الآلات وحده، بل في قدرة المنشأة على تحويل البيانات إلى قرارات.
كان حضور Green Industry والاستدامة واضحًا في النقاشات، ليس بوصفهما عناوين بيئية مستقلة، وإنما باعتبارهما جزءًا من مستقبل الاقتصاد الصناعي نفسه.
فالمصنع الأكثر كفاءة في الطاقة والمواد، والأقل إنتاجًا للهدر والانبعاثات، لا يحقق هدفًا بيئيًا فقط؛ بل يمكن أن يحقق كذلك قدرة تنافسية أفضل ومخاطر تشغيلية وتنظيمية أقل.
وهذا ما يجعل الاستدامة جزءًا متزايد الأهمية من قرارات التمويل والاستثمار وسلاسل التوريد والوصول إلى الأسواق.
ورغم الحضور الكبير للتكنولوجيا، لم يكن الإنسان غائبًا عن تصور الصناعة المستقبلية؛ فقد تناولت فعاليات القمة الشباب والمرأة والمهارات وريادة الأعمال باعتبارها عناصر أساسية في التحول الصناعي.
وركز يوم Generation Future على دور الشباب في قيادة التحول الصناعي، والاستثمار في المهارات والابتكار وريادة الأعمال، وصولًا إلى تنمية صناعية أكثر استعدادًا للمستقبل. [٥]
وأرى أن هذه النقطة بالذات تستحق الاهتمام؛ فلا معنى للاستثمار في أحدث تقنيات الصناعة إذا لم يوجد الإنسان القادر على تشغيلها وتطويرها وفهم أثرها واتخاذ القرار من خلالها.
منح انعقاد المؤتمر في الرياض الحدث بُعدًا إضافيًا، إذ جاءت النقاشات في وقت تشهد فيه المملكة توسعًا في برامج التصنيع والاستثمار الصناعي والتقنيات الجديدة ضمن مسار رؤية السعودية ٢٠٣٠.
وكانت UNIDO قد وصفت دورة الرياض قبل انعقادها بأنها منصة رفيعة المستوى تجمع صناع السياسات وقادة الصناعة والخبراء والمبتكرين حول مستقبل الصناعة العالمية، مع إبراز تجربة التحول الصناعي في المملكة وأهداف الاستراتيجية الوطنية للصناعة. [٦]
أما بالنسبة لي، فأقرأ هذا التطور كذلك من زاوية قانونية؛ لأن كل توسع صناعي أو تقني واسع يخلق معه عقودًا واستثمارات ونقلًا للتكنولوجيا وحقوق ملكية فكرية وشراكات دولية ومسائل امتثال ومسؤوليات جديدة.
ولذلك فإن مستقبل الصناعة لا يمكن أن ينفصل عن مستقبل التنظيم القانوني؛ فالتكنولوجيا تتحرك سريعًا، والقانون مطالب بأن يوفر لها بيئة تحمي الاستثمار والابتكار دون أن تترك العلاقات الجديدة بلا قواعد واضحة.
انتهت الدورة الحادية والعشرون باعتماد إعلان الرياض Riyadh Declaration، إلى جانب مجموعة من القرارات التي تناولت مسارات التنمية الصناعية المستدامة والشراكات والابتكار والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد والطاقة والمساواة وتمكين المرأة. [٧]
كما شهدت أيام المؤتمر إطلاق مبادرات وبرامج وشراكات جديدة بين UNIDO ودول ومؤسسات وشركاء من القطاع الخاص، بما يؤكد أن القيمة الحقيقية لمثل هذه الاجتماعات تبدأ أحيانًا بعد انتهاء الجلسات، عندما تتحول الأفكار والاتفاقات إلى مشروعات وبرامج تعاون فعلية.
وخرجت من الحدث بقناعة أكثر وضوحًا بأن مستقبل الصناعة لن تصنعه التكنولوجيا وحدها، ولن يصنعه الاستثمار وحده؛ وإنما سيصنعه التقاء الاستثمار بالتقنية، والاستدامة بالكفاءة، والمعرفة بالإنسان، والتعاون الدولي بإطار قانوني قادر على حماية هذه العلاقات وتنظيمها.