اجتمع في الرياض قادة وخبراء وممارسون من مختلف أنحاء العالم حول قضية تمس كل منشأة وكل عامل: كيف تتحول السلامة والصحة المهنية من إجراءات وقائية متفرقة إلى منظومة ذكية تستطيع التنبؤ بالمخاطر قبل وقوعها، وتحمي الإنسان دون أن تعطل الإنتاج؟
كان هذا هو جوهر المؤتمر الدولي السابع للسلامة والصحة المهنية GOSH7، الذي جمع بين السياسات التنظيمية والتكنولوجيا والابتكار وإدارة المخاطر وثقافة السلامة، تحت عنوان يعبر بوضوح عن اتجاهه: «مستقبل السلامة والصحة المهنية».
لم يكن النقاش محصورًا في معدات الحماية أو التعليمات التقليدية؛ بل اتجه إلى مستقبل بيئات العمل نفسها، ودور الرقمنة والذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في بناء أنظمة أكثر قدرة على اكتشاف الخطر وإدارته ورفع مستوى الامتثال. [١]
وجمع المؤتمر مسؤولين وخبراء وأكاديميين وممارسين وقطاع أعمال من أكثر من ٦٠ دولة، في نموذج يعكس اتساع الحوار الدولي حول السلامة والصحة المهنية، كما شهد الهاكاثون المصاحب أكثر من ٦٠٠ مشارك وأكثر من ٤٠٠ مشاركة لتطوير حلول قابلة للتطبيق. [٢]
وانعقدت أعمال النسخة السابعة في مركز المؤتمرات بفندق فورسيزونز بالرياض خلال الفترة من ٤ إلى ٦ مايو ٢٠٢٥م. [١]
كان حضوري للمؤتمر فرصة لمتابعة هذا التحول عن قرب؛ وأكثر ما لفت انتباهي أن مفهوم السلامة المهنية نفسه يتغير.
فالنموذج التقليدي يبدأ غالبًا بعد تحديد الخطر: تعليمات، معدات وقاية، تدريب، ثم متابعة. أما الاتجاه الجديد فيحاول نقل المنظومة خطوة إلى الأمام، بحيث تُستخدم البيانات والتقنيات الحديثة لتوقع الخطر وتحليله وتقليل احتمالات وقوعه قبل أن يتحول إلى حادث.
ولهذا تناولت النقاشات تطوير السياسات والإجراءات الوقائية، والاستفادة من التكنولوجيا في تحسين بيئات العمل، وتعزيز الوعي والامتثال لمتطلبات السلامة والصحة المهنية.
ومن زاويتي القانونية، فإن هذا التطور مهم؛ لأن السلامة المهنية لا تنفصل عن مسؤولية المنشأة، وواجبات صاحب العمل، وحقوق العامل، وإدارة المخاطر، وإثبات الالتزام بالإجراءات النظامية عند وقوع حادث أو إصابة مهنية.
التكنولوجيا تستطيع اليوم أن تضيف طبقة جديدة إلى منظومة السلامة؛ من المستشعرات وإنترنت الأشياء إلى تحليل البيانات والتنبيهات المبكرة والمنصات الرقمية لمتابعة المخاطر والحوادث والإجراءات التصحيحية.
ولكن التقنية وحدها لا تكفي؛ فالمنشأة قد تمتلك أفضل الأنظمة ولا تحقق السلامة إذا غابت ثقافة الالتزام والتدريب والمساءلة ووضوح المسؤوليات.
ومن اللقاءات التي جمعت بين السلامة المهنية والتقنية الطبية، سعدت بالحديث مع Keng Liang Cheng – KL Cheng، المدير الإداري Managing Director لشركة Global Healthcare SG السنغافورية.
وتطور الشركة CarbonCool®، وهو نظام محمول وغير جراحي للتبريد السلبي للجسم، صُمم لتطبيقات من بينها التعامل مع ضربات الشمس وإدارة درجة حرارة الجسم في بعض البيئات الطبية والطوارئ. [٣]
وتعتمد منظومة CarbonCool® على وسائط تبريد قائمة على الكربون ضمن تقنية HypoCarbon®، مع تصميم يسمح باستخدام النظام في البيئات الطبية والميدانية وبعض بيئات العمل ذات التعرض الحراري المرتفع.
كما حصل CarbonCool® System في ١٨ مارس ٢٠٢٥م على تصريح FDA 510(k) في الولايات المتحدة برقم K240933، بعد تحديده باعتباره مكافئًا جوهريًا لأجهزة مسوقة قانونيًا ضمن المسار التنظيمي المشار إليه. [٤]
وخلال الحوار، تعرفت كذلك إلى حلول emcools Flex.Pad™ للتبريد السطحي، وهي حلول تعرضها Global Healthcare SG لتطبيقات مرتبطة بخفض درجة حرارة الجسم وبعض حالات فرط الحرارة وضربات الشمس. [٥]
ما استوقفني في هذه التقنيات هو صلتها المباشرة ببيئات العمل التي قد يكون فيها الإجهاد الحراري Heat Stress أحد المخاطر الحقيقية؛ فالسلامة الحرارية لا تتعلق فقط بالراحة، وإنما قد تتحول في بعض المواقع والوظائف إلى مسألة حماية للحياة والصحة.
ودار الحديث بصورة مهنية حول هذه الحلول وإمكان الاستفادة من التقنيات الحديثة في القطاعات التي تواجه مخاطر حرارية مرتفعة، وما يمكن أن تفتحه السوق السعودية من اهتمام بمثل هذه الابتكارات.
كما سعدت بلقاء د. عبد الرحيم هويدي، ودار بيننا حديث مثري حول التوجهات الحديثة في السلامة والصحة المهنية، والفجوة التي قد تظهر أحيانًا بين وجود القاعدة أو السياسة من ناحية، وبين جودة تطبيقها داخل بيئة العمل من ناحية أخرى.
وتناول الحوار أهمية التدريب المؤسسي، ورفع الوعي، وقياس المخاطر بصورة عملية، وربط المسؤولية الإدارية بالسلوك اليومي داخل المنشأة.
وهذه النقطة تهمني بصورة خاصة من الزاوية القانونية؛ لأن وجود سياسة مكتوبة للسلامة لا يعني وحده أن المنشأة أدت التزاماتها، إذا لم تتحول تلك السياسة إلى تدريب ومتابعة وتقييم للمخاطر وإجراءات قابلة للإثبات عند الحاجة.
من أهم ما خرجت به من المؤتمر أن السلامة المهنية لا ينبغي النظر إليها كتكلفة مفروضة على المنشأة، بل كجزء من جودة التشغيل واستمرارية الأعمال وحماية رأس المال البشري.
فالحادث المهني لا تكون آثاره صحية فقط؛ بل قد يمتد أثره إلى توقف العمل، والتعويضات، والمسؤوليات، والتحقيقات، والسمعة المؤسسية، والإنتاجية، وثقة العاملين في بيئة العمل.
ولذلك فإن الاستثمار في الوقاية والتدريب والتقنيات الحديثة قد يكون في الوقت نفسه استثمارًا في الإنتاجية وتقليل المخاطر القانونية والتشغيلية.
وهذا يتفق مع الاتجاه الذي ظهر في المؤتمر نحو ربط السلامة والصحة المهنية باستدامة سوق العمل والازدهار الاقتصادي، وليس التعامل معها كموضوع منفصل عن الأداء المؤسسي.
أرى أن القيمة الحقيقية لـ GOSH7 كانت في جمع ثلاثة مسارات في مساحة واحدة: القواعد، والتقنية، والإنسان.
فالقواعد تحدد الحد الأدنى الواجب احترامه، والتقنية تمنح المنشأة أدوات أفضل لاكتشاف المخاطر وإدارتها، أما الإنسان فيظل العنصر الذي تتجه إليه الحماية والذي يعتمد نجاح المنظومة في النهاية على وعيه وسلوكه وتدريبه.
كما أن ارتباط المؤتمر بمستقبل سوق العمل ورؤية السعودية ٢٠٣٠ يضع السلامة والصحة المهنية في مكانها الصحيح داخل التحول الاقتصادي؛ بوصفها أحد مقومات بيئة العمل المستدامة والجاذبة للاستثمار والكوادر.