لم تعد إدارة المشاريع مجرد سباق بين الوقت والتكلفة ونسب الإنجاز؛ فالمشروع الحديث أصبح منظومة تتقاطع فيها القيادة والحوكمة والعقود والبيانات والتقنية وإدارة المخاطر، وأي خلل في أحد هذه العناصر قد يمتد أثره إلى المشروع بأكمله.
هذه الفكرة كانت في قلب المنتدى العالمي لإدارة المشاريع Global Project Management Forum – GPMF 2025 في الرياض، الذي جمع مجتمعًا دوليًا واسعًا لمناقشة الجيل القادم من إدارة المشاريع، تحت شعار: Next-Gen Project Management: The Power of People, Processes & Technology، أي: «الجيل القادم لإدارة المشاريع: قوة الأفراد والعمليات والتقنية». [١]
وضع المنتدى العنصر البشري والعمليات والتكنولوجيا داخل منظومة واحدة، وهي رؤية تعكس التحول الذي يشهده القطاع عالميًا؛ فالتقنية لا تستطيع إنقاذ مشروع ضعيف الحوكمة، كما أن أفضل الإجراءات لا تحقق قيمتها إذا غابت عنها القيادة والقدرة على اتخاذ القرار.
وشهدت النسخة الرابعة مشاركة دولية من أكثر من ١٠٠ دولة، وبرنامجًا ضم ١٢٠ متحدثًا دوليًا، و ٦٠ جلسة نقاشية، و ١٦ ورشة تدريبية. [٢]
وأعلن المنتدى في ختام النسخة أن عدد الحضور المسجل تجاوز ٢١ ألفًا من أكثر من ١٠٠ جنسية، بما يعكس النمو الذي حققته الفعالية خلال أربع دورات. [٣]
وانعقد المنتدى في مدينة الرياض خلال الفترة من ١٧ إلى ١٩ مايو ٢٠٢٥م، تحت رعاية وزير البلديات والإسكان الأستاذ ماجد بن عبدالله الحقيل. [١]
وكان حضوري للمنتدى فرصة لمتابعة هذا التحول من زاوية قريبة من عملي؛ لأن إدارة المشاريع، في جانب مهم منها، لا تنفصل عن الحوكمة وإدارة العقود والمسؤوليات والمخاطر.
تابعت عددًا من النقاشات والتجارب والحلول المهنية، والتقيت بمشاركين ومتخصصين من جهات مختلفة، وكان من الواضح أن مستقبل إدارة المشاريع يتجه إلى نموذج أكثر تكاملًا، لا يترك الإدارة القانونية والتعاقدية خارج منظومة القرار.
تعكس المناقشات التي شهدها المنتدى تطور مفهوم Project Management؛ فلم يعد النجاح يقاس فقط بإنهاء الأعمال في موعدها، بل بقدرة المشروع على تحقيق أهدافه ضمن إطار واضح للحوكمة والجودة وإدارة المخاطر والاستدامة والموارد.
وكلما ارتفعت قيمة المشروع وتعقدت أطرافه، زادت أهمية التنسيق بين فرق الإدارة والهندسة والمالية والمشتريات والعقود والشؤون القانونية.
ولهذا فإن المشروع الكبير لا يحتاج إلى مدير مشروع جيد فقط، وإنما يحتاج إلى منظومة تستطيع اتخاذ القرار وتوثيقه وتوزيع الصلاحيات ومراقبة الأداء والاستجابة للتغيير قبل أن يتحول إلى أزمة.
إلى جانب البرنامج الرسمي، أرى أن اللقاءات المباشرة تمثل أحد أهم عناصر المنتديات الدولية؛ لأنها تنقل الحديث من المفاهيم العامة إلى الخبرة العملية التي عاشتها المؤسسات والأشخاص داخل مشروعات حقيقية.
وأتاحت لي المشاركة عددًا من النقاشات المهنية حول إدارة المشاريع والبيئة التنظيمية المحيطة بها، وإدارة العقود والتغيير والمخاطر، فضلًا عن التعرف على تجارب وحلول مختلفة في إدارة المشروعات والتحول المؤسسي.
وهذا النوع من التواصل يؤكد أن المشروع الناجح لا يقوم فقط على كفاءة كل طرف منفردًا، بل على قدرة الأطراف المختلفة على بناء علاقة واضحة ومنظمة منذ البداية.
كان التحول الرقمي حاضرًا بوضوح في المنتدى، وهو ما يتفق مع شعار الدورة الذي وضع People, Processes & Technology في إطار واحد.
فالبيانات والتحليلات والذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد أدوات لإعداد التقارير؛ بل أصبحت تدخل في متابعة الأداء، والتنبؤ بالمخاطر، وتحليل التأخير، وإدارة الموارد، ودعم القرار.
لكنني أرى أن التقنية لا تعالج وحدها ضعف المشروع؛ فإذا كانت العمليات غير واضحة، أو الصلاحيات متداخلة، أو البيانات غير دقيقة، فإن النظام التقني قد يسرّع الوصول إلى المعلومة دون أن يصنع قرارًا سليمًا.
من الزاوية القانونية، تزداد أهمية حوكمة المشاريع Project Governance كلما ارتفعت قيمة المشروع وتعدد أطرافه وتشابكت التزاماته.
فخلف الجداول الزمنية ومؤشرات الأداء توجد شبكة من العقود والالتزامات والصلاحيات والمسؤوليات والمطالبات وإجراءات التغيير والتمديد والتأخير والمستخلصات والضمانات وآليات تسوية النزاعات.
وقد يتحول قرار إداري بسيط أو تغيير غير موثق في نطاق العمل إلى مطالبة مالية أو نزاع تعاقدي يؤثر لاحقًا في تكلفة المشروع ومدته.
لذلك، في تقديري، فإن الإدارة القانونية للمشروع لا تبدأ عند نشوء النزاع؛ بل تبدأ منذ مرحلة صياغة العلاقة، وتستمر مع كل قرار وتغيير ومراسلة ومستخلص وإشعار يحدث أثناء التنفيذ.
ومن هنا يظهر التكامل الحقيقي بين Project Management و Contract Management والحوكمة القانونية؛ فنجاح المشروع فنيًا لا ينبغي أن يكون على حساب وضوح مركز الأطراف قانونيًا.
تصبح هذه العلاقة أكثر أهمية في Mega Projects؛ لأن تعدد المقاولين والاستشاريين والموردين والممولين والجهات ذات العلاقة يجعل إدارة الواجهات بين الأطراف تحديًا لا يقل أهمية عن تنفيذ الأعمال نفسها.
وفي المشروعات الكبرى، يمكن أن يكون التوثيق الجيد وإدارة التغيير بصورة صحيحة وتحديد الصلاحيات والمسؤوليات عوامل حاسمة في منع النزاع أو الحد من آثاره.
ولذلك فإن الحوكمة ليست طبقة بيروقراطية إضافية؛ بل وسيلة لتحديد من يقرر، وكيف يُتخذ القرار، وكيف يوثق، وما أثره على التكلفة والمدة والعقد.
عكس Global Project Management Forum 2025 اتجاهًا واضحًا نحو نموذج إدارة أكثر تكاملًا، يجمع الخبرة البشرية والعمليات الفعالة والتقنيات الحديثة والحوكمة المؤسسية.
كما أعلن المنتدى عن إطلاق مركز ابتكار لإدارة المشاريع باعتباره من المبادرات التي صاحبت نمو النسخة الرابعة وتوسع حضورها الدولي. [٣]
وبالنسبة لي، كانت المشاركة فرصة لمتابعة هذه الاتجاهات عن قرب، والتواصل مع متخصصين وجهات مشاركة، وتبادل الرؤى حول التطورات التي يشهدها قطاع إدارة المشاريع وعلاقته بالحوكمة والعقود والمخاطر.
وفي ختام مشاركتي، أتوجه بالشكر والتقدير إلى القائمين على Global Project Management Forum على الدعوة الكريمة وحسن التنظيم، وعلى ما قدمه المنتدى من محتوى مهني وتفاعل دولي أسهم في إثراء النقاش حول مستقبل إدارة المشاريع.