المؤتمر الدولي لسوق العمل 2025 | Global Labor Market Conference – GLMC 2025 جمع في نسخته الثانية واحدة من أوسع التجمعات الدولية المتخصصة في مستقبل العمل وأسواق التوظيف، بمشاركة نحو 10 آلاف مشارك، و40 وزير عمل، وما يقارب 200 متحدث وخبير دولي يمثلون أكثر من 100 دولة، في منصة جمعت صناع السياسات وقادة الأعمال والمنظمات الدولية والأكاديميين والمتخصصين لمناقشة التحولات التي تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والعمل والتقنية والاقتصاد.
ولم تكن أهمية المؤتمر في حجم الحضور فقط؛ إذ اختتمت أعماله بتوقيع 70 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين جهات حكومية والقطاع الخاص، تستهدف خدمة أكثر من 300 ألف مستفيد، إلى جانب إطلاق مبادرات مرتبطة بالمهارات والسياسات وسوق العمل، وهو ما منح الحدث بعدًا عمليًا يتجاوز النقاش إلى بناء شراكات ومشروعات يمكن قياس أثرها.
وتمحورت النسخة الثانية حول شعار «مستقبل العمل | The Future of Work» ، وتناولت ستة مسارات رئيسية شملت تطوير المهارات وإعادة التأهيل، وتنقل القوى العاملة، وتمكين الشباب، والابتكار التكنولوجي، ودور المنشآت الصغيرة والمتوسطة ونماذج العمل الجديدة في خلق الوظائف، إضافة إلى نمو الوظائف الخضراء والانتقال نحو اقتصاد أكثر استدامة.
وانعقد المؤتمر يومي 29 و30 يناير 2025 في مركز الملك عبدالعزيز الدولي للمؤتمرات | King Abdulaziz International Conference Center بالرياض، بتنظيم وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية | Ministry of Human Resources and Social Development .
كما جاء المؤتمر بشراكات معرفية ودولية مع منظمة العمل الدولية | International Labour Organization – ILO ، و البنك الدولي | World Bank ، و برنامج الأمم المتحدة الإنمائي | UNDP ، و منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية | OECD ، و مؤسسة مسك | Misk Foundation ، وهو حضور يعكس الطبيعة الدولية للمؤتمر واتساع الحوار حول سياسات العمل والمهارات والتوظيف.
ومن منظور خبرتي القانونية، فإن التحول الذي تشهده أسواق العمل لا يقتصر على تطوير المهارات أو توفير وظائف جديدة؛ فانتشار الذكاء الاصطناعي والأتمتة والعمل المرن والمنصات الرقمية يعيد طرح أسئلة أساسية حول طبيعة العلاقة التعاقدية، وحدود مسؤوليات صاحب العمل والعامل، وكيفية استخدام البيانات في التوظيف والتقييم، والشفافية في القرارات التي تعتمد على الأنظمة التقنية.
ويزداد هذا الجانب أهمية عندما تستخدم المؤسسات الذكاء الاصطناعي في فرز المتقدمين للوظائف أو تقييم الأداء أو إدارة الموارد البشرية؛ فالكفاءة التقنية يجب أن ترافقها حوكمة واضحة تحدد صلاحيات الوصول إلى البيانات، والغرض من استخدامها، والمسؤولية عن القرار، وآليات المراجعة البشرية، بما يقلل المخاطر القانونية والتنظيمية ويحافظ على الثقة داخل بيئة العمل.
وفي المملكة، جاء المؤتمر في توقيت كانت فيه سوق العمل تستعد لمرحلة تنظيمية جديدة؛ فقد صدرت تعديلات على نظام العمل | Saudi Labor Law قبل انعقاد المؤتمر، على أن يبدأ سريانها لاحقًا في 19 فبراير 2025. وشملت التعديلات 38 مادة مع حذف سبع مواد وإضافة مادتين، واستهدفت تطوير العلاقات التعاقدية ورفع كفاءة سوق العمل وتعزيز الاستقرار الوظيفي وتهيئة بيئة عمل أكثر جاذبية.
ومن المهم قانونيًا التمييز بين صدور التعديل وبدء نفاذه؛ فعند انعقاد المؤتمر في نهاية يناير 2025 كانت التعديلات قد صدرت بالفعل، لكنها لم تكن قد دخلت حيز التنفيذ بعد. وهذا التوقيت يعكس بصورة واضحة كيف كان الحوار حول مستقبل العمل يجري بالتوازي مع تطوير الإطار النظامي للسوق السعودي.
وتظهر أهمية هذه التطورات أيضًا في نماذج العمل الجديدة؛ فالعمل المرن والعمل عن بعد والعمل عبر المنصات والتعاقد مع مقدمي الخدمات يفرض على المؤسسات تحديد طبيعة العلاقة بصورة دقيقة، وعدم الاكتفاء بالمسمى التجاري للعقد. فحقيقة الالتزامات وطريقة أداء العمل والرقابة والمقابل المالي قد تكون عناصر أساسية في تحديد الحقوق والمسؤوليات.
كما أن مسألة تطوير المهارات لم تعد منفصلة عن العقود والسياسات المؤسسية؛ فمع تغير الوظائف بسبب التقنية والذكاء الاصطناعي تصبح برامج التدريب وإعادة التأهيل جزءًا من إدارة رأس المال البشري، وقد ترتبط باتفاقات تدريب والتزامات تمويل وشهادات مهنية وسياسات داخلية ينبغي صياغتها بصورة واضحة تحفظ حقوق الأطراف.
ومن النتائج المهمة للمؤتمر إطلاق أكاديمية سوق العمل | Labor Market Academy في الرياض، إلى جانب تقرير استشرافي يقدم توصيات عملية لمعالجة فجوات المهارات وتعزيز التعلم مدى الحياة، كما شهد المؤتمر إطلاق مختبرات للسياسات وبرامج تهدف إلى تعزيز دمج الشباب في أسواق العمل وزيادة مشاركة القطاع الخاص في تطوير المهارات.
وكان للقطاع الخاص حضور مباشر في مخرجات المؤتمر؛ إذ وثقت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية توقيع مذكرات تفاهم في مجالات التدريب وتنمية القدرات مع عدد من الجهات، من بينها Jahez International Company for Information System Technology و Abdullah Al Othaim Markets Company .
ولا يعني ذكر هذه الشركات أن مشاركتي تضمنت لقاءً شخصيًا مع ممثليها، وإنما يبرز وجودها ضمن الشراكات الرسمية التي خرج بها المؤتمر، ويعكس الدور المتزايد للشركات في التدريب والتأهيل وتنمية المهارات وربط احتياجات الأعمال بسياسات سوق العمل.
ومن زاوية الأعمال الدولية، كان المؤتمر مهمًا لأنه جمع وزارات عمل ومنظمات دولية وقطاعًا خاصًا وخبراء من عشرات الدول في مكان واحد، وهو ما يتيح فهمًا أوسع للاختلافات بين أسواق العمل في تنظيم التوظيف والمهارات والتنقل والعمل المرن والتحولات التقنية.
وبالنسبة لي كخبير قانوني، فإن قيمة هذا التواصل تكمن في متابعة التحولات التي تسبق تغير التشريعات والعقود؛ فالقانون في سوق العمل لا يعمل بمعزل عن الاقتصاد والتقنية، بل يتأثر بتغير طبيعة الوظائف ونماذج الشركات وحركة العمالة والمهارات التي يطلبها السوق.
وقد أكد المؤتمر أن مستقبل العمل لن تصنعه التكنولوجيا وحدها؛ بل سيتشكل من قدرة الدول والمؤسسات على الجمع بين الابتكار وتنمية المهارات والحقوق والحوكمة والمرونة. وكلما تسارع استخدام الذكاء الاصطناعي وتغيرت أشكال العمل، زادت أهمية وجود أطر قانونية وتنظيمية قادرة على دعم التطور مع حماية مصالح أطراف العلاقة.
وفي ختام هذه المشاركة، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الجهة المنظمة على دعوتها الكريمة لي للمشاركة والحضور في هذا الحدث الدولي، وعلى ما أتاحه المؤتمر من مساحة ثرية للحوار والتواصل وتبادل الخبرات والرؤى حول مستقبل العمل والمهارات والتقنية، وما يرتبط بذلك من أبعاد قانونية وتنظيمية وفرص للتعاون الدولي.