في واحدة من أبرز المنصات العالمية المعنية بمستقبل الإنترنت والسياسات الرقمية، استضافت الرياض الاجتماع السنوي التاسع عشر لمنتدى حوكمة الإنترنت Internet Governance Forum – IGF 2024، الذي جمع قيادات وخبراء وممثلين عن الحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمجتمع التقني والأكاديمي في حوار دولي واسع حول مستقبل البيئة الرقمية.
وتبرز مكانة IGF من كونه منتدى عالميًا تابعًا لمنظومة الأمم المتحدة ومخصصًا للحوار متعدد الأطراف حول السياسات العامة المرتبطة بالإنترنت، بما يجعله نقطة التقاء دولية بين المؤسسات الحكومية والشركات والتقنيين والباحثين والمجتمع المدني حول القضايا التي تشكل مستقبل الفضاء الرقمي.
وسجلت نسخة الرياض حضورًا دوليًا لافتًا؛ إذ تجاوز إجمالي المشاركة الفعلية 10 آلاف مشارك حضوريًا وعن بُعد، إلى جانب أكثر من 300 جلسة ناقشت مستقبل الحوكمة الرقمية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والثقة الرقمية والحقوق والشمول والابتكار والتعاون الدولي.
وأقيم الاجتماع التاسع عشر خلال الفترة من 15 إلى 19 ديسمبر 2024 في مركز الملك عبدالعزيز الدولي للمؤتمرات بالرياض | King Abdulaziz International Conference Center ، تحت المظلة الرئيسة Building Our Multistakeholder Digital Future ، واستضافت حكومة المملكة العربية السعودية هذه النسخة من المنتدى.
ويكتسب المنتدى ثقله المؤسسي من ارتباطه المباشر بمنظومة الأمم المتحدة؛ إذ يعقد الاجتماع السنوي بدعوة من الأمين العام للأمم المتحدة، وتعمل منظومة منتدى حوكمة الإنترنت | Internet Governance Forum – IGF ضمن الإطار المؤسسي للأمم المتحدة، فيما تدعم أمانة المنتدى العملية المستمرة للـIGF وبرنامجه السنوي بالتعاون مع المجموعة الاستشارية متعددة أصحاب المصلحة.
وهذا البناء المؤسسي يمنح المنتدى طابعًا مختلفًا؛ فهو لا يقوم على حوار حكومي فقط، بل على نموذج Multistakeholder يجمع في النقاش نفسه الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني والجهات الأكاديمية والمجتمع التقني والمنظمات الدولية.
وقد تمحورت نسخة الرياض حول أربعة مسارات رئيسة شملت تسخير الابتكار مع موازنة المخاطر في الفضاء الرقمي، وتعزيز مساهمة التكنولوجيا في السلام والتنمية والاستدامة، والنهوض بحقوق الإنسان والشمول في العصر الرقمي، وتحسين الحوكمة الرقمية للإنترنت.
وتشرّفت بالمشاركة في الاجتماع التاسع عشر لمنتدى حوكمة الإنترنت IGF 2024، وكانت هذه المشاركة فرصة مهنية مهمة لمتابعة واحد من أوسع الحوارات الدولية حول مستقبل الإنترنت والتقنية والسياسات الرقمية، والاطلاع على رؤى وخبرات قادمة من بيئات قانونية وتقنية واقتصادية مختلفة.
ولا تحمل مشاركتي في المنتدى أي صفة حكومية أو تمثيلية؛ وإنما جاءت في إطار اهتمامي المهني كخبير قانوني بالقضايا التي تتقاطع فيها التكنولوجيا مع القانون والاستثمار وإدارة المخاطر، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وحماية البيانات والعقود الرقمية والحوكمة.
ومن منظور خبرتي القانونية، كان من اللافت أن كثيرًا من الملفات التي يناقشها المنتدى تتجاوز حدود دولة واحدة بطبيعتها؛ فالبيانات قد تجمع في دولة وتعالج في أخرى، والمنصات الرقمية تعمل عبر أسواق متعددة، والقرار الناتج عن نظام ذكاء اصطناعي يمكن أن يرتب آثارًا على أشخاص أو مؤسسات في أكثر من ولاية قضائية.
وهذه الطبيعة العابرة للحدود هي أحد الأسباب التي تجعل الحوار الدولي حول حوكمة الإنترنت ضروريًا؛ لأن كثيرًا من المخاطر الرقمية لا يمكن التعامل معها من خلال تنظيم وطني منفرد بمعزل عن التعاون الفني والقانوني والدولي.
احتل الذكاء الاصطناعي مساحة مهمة في مناقشات المنتدى، في وقت انتقلت فيه هذه التقنية سريعًا من التطبيقات المتخصصة إلى أدوات تدخل في الأعمال والخدمات والتعليم والإعلام والتحليل واتخاذ القرار.
ومن الجانب القانوني، لا تتمثل المسألة في الاختيار بين الابتكار والتنظيم؛ بل في إيجاد توازن يسمح باستخدام التقنية والاستفادة منها مع تحديد المسؤولية عن مخرجاتها، ومعرفة الأساس القانوني لاستخدام البيانات، وتحديد حدود الاعتماد على القرارات الآلية في المجالات التي يمكن أن تؤثر في حقوق الأفراد أو مصالح الشركات.
كما تبرز مسائل الشفافية وقابلية التفسير والتحيز والمساءلة والملكية الفكرية وسرية البيانات، خصوصًا عندما تستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي في اتخاذ قرارات مالية أو مهنية أو تجارية أو تنظيمية.
وهنا تتضح أهمية الحوكمة منذ مرحلة تصميم الحل التقني، وليس بعد وقوع المشكلة؛ فالسياسات الداخلية والعقود وتوزيع الصلاحيات وآليات التدقيق والرقابة البشرية يمكن أن تقلل كثيرًا من المخاطر قبل تحولها إلى نزاع أو مسؤولية قانونية.
وشكلت حماية البيانات والخصوصية أحد الملفات المرتبطة مباشرة بمستقبل الاقتصاد الرقمي؛ إذ أصبحت البيانات أصلًا مهمًا للشركات والمؤسسات، لكنها في الوقت نفسه ترتبط بحقوق أصحابها والتزامات الجهات التي تجمعها أو تستخدمها أو تشاركها مع أطراف أخرى.
وفي المملكة، ينظم نظام حماية البيانات الشخصية معالجة البيانات الشخصية وحقوق أصحابها والتزامات جهات التحكم والمعالجة، وقد صدر النظام بموجب مرسوم ملكي، فيما تتولى الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي الإشراف على تطبيق أحكامه وفق الإطار النظامي المعمول به.
ويزداد التعقيد في المعاملات الدولية عندما تنتقل البيانات بين دول متعددة أو تستخدم شركات خدمات سحابية ومزودي تقنية يعملون في أكثر من ولاية قضائية؛ إذ يصبح من الضروري تحديد مكان المعالجة، وطبيعة البيانات، وأساس نقلها، والتزامات الأطراف المتعاقدة.
ولهذا أصبحت عقود معالجة البيانات والخدمات السحابية والتقنية جزءًا أساسيًا من إدارة المخاطر القانونية للشركات، بدل النظر إليها بوصفها عقودًا تقنية بحتة.
وأظهرت مناقشات المنتدى كذلك أن بناء الثقة الرقمية لا ينفصل عن الأمن السيبراني؛ فكل توسع في الخدمات الرقمية والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي يزيد من قيمة البيانات والأنظمة، وفي الوقت نفسه يوسع نطاق المخاطر المحتملة إذا لم تصاحب هذا التوسع ضوابط مناسبة.
وفي المملكة تمثل الهيئة الوطنية للأمن السيبراني الجهة الوطنية المختصة بالأمن السيبراني، وقد أصدرت عددًا من الضوابط والأطر التنظيمية التي تستهدف رفع مستوى الحماية وإدارة المخاطر السيبرانية بحسب نطاق التطبيق.
كما يظل نظام مكافحة جرائم المعلوماتية من التشريعات السعودية ذات الصلة بالبيئة الرقمية؛ إذ يتناول عددًا من الأفعال المجرمة المرتبطة بالدخول غير المشروع والاعتداء على البيانات والأنظمة واستخدام الوسائل المعلوماتية في الأفعال التي حددها النظام.
ومن الناحية التعاقدية، أصبحت مسائل الأمن السيبراني عنصرًا لا يمكن تجاهله في الاتفاقيات التقنية؛ فالعقود مع مزودي الخدمات السحابية والمنصات ومقدمي الحلول الرقمية تحتاج إلى تحديد مسؤوليات الحماية وإدارة الحوادث والإبلاغ واستمرارية الأعمال وحقوق الوصول إلى البيانات.
من أبرز ما يميز منتدى حوكمة الإنترنت أنه لا يقدم مفهوم الحوكمة باعتباره سيطرة جهة واحدة على الإنترنت، وإنما بوصفه عملية دولية متعددة الأطراف تبحث عن مساحات مشتركة للتعامل مع قضايا تتقاطع فيها التكنولوجيا والاقتصاد والقانون والحقوق.
فالإنترنت بنية عالمية بطبيعتها، وأي محاولة لفهم تحدياته تحتاج إلى النظر إلى اختلاف الأنظمة القانونية والثقافات والأسواق ومستويات التنمية والقدرات التقنية بين الدول، مع البحث في الوقت نفسه عن قواعد ومبادئ تسمح باستمرار التعاون.
كما تناول المنتدى قضايا الشمول الرقمي وحقوق الإنسان وإتاحة التكنولوجيا؛ لأن الانتقال المتزايد للخدمات إلى البيئة الرقمية يجعل القدرة على الوصول إلى الإنترنت والمهارات الرقمية وسهولة استخدام الخدمات جزءًا من النقاش حول العدالة والشمول.
وقد أفرزت نسخة الرياض Riyadh IGF Messages ، التي جمعت مجموعة من الرسائل والتوجهات المستخلصة من نقاشات المنتدى، لتضيف إلى الحوار الدولي مرجعًا يعكس أبرز القضايا التي شغلت المشاركين في الاجتماع التاسع عشر.
وما خرجت به من هذه المشاركة هو أن القانون لم يعد يقف على هامش التطور التقني؛ بل أصبح جزءًا من تصميمه وإدارته. فكل منصة جديدة أو نظام ذكاء اصطناعي أو خدمة سحابية أو نموذج يعتمد على البيانات يخلق شبكة من الحقوق والالتزامات والمسؤوليات.
كما أن المستشار القانوني الذي يعمل مع الشركات والمستثمرين في البيئة الحديثة يحتاج إلى فهم طبيعة التقنية إلى جانب فهم النصوص؛ لأن تقييم المخاطر في مشروع رقمي يتطلب معرفة طريقة عمل البيانات والعقود التقنية ومقدمي الخدمات والأمن السيبراني والملكية الفكرية.
وأتاح الطابع العالمي للمنتدى فرصة مهمة للتعرف على اتجاهات مختلفة في تنظيم التكنولوجيا، ومتابعة الحوار بين دول ومؤسسات وخبرات متنوعة حول قضايا مشتركة، وهو ما يعزز قيمة التواصل والتعاون المهني الدولي في المجالات القانونية والتقنية.
كما عكست استضافة الرياض لهذا المنتدى العالمي المكانة المتنامية للمملكة في النقاشات الدولية المتعلقة بالتقنية والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وقدرتها على استضافة منصة تجمع آلاف المشاركين والخبراء من مختلف أنحاء العالم حول أحد أهم ملفات المستقبل.
وفي ختام هذه المشاركة، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الجهة المنظمة على دعوتها الكريمة لي للمشاركة في هذا الحدث الدولي، وعلى ما قدمته من تنظيم متميز ومساحة ثرية للحوار والتواصل وتبادل الخبرات، مع خالص التقدير لكل من أسهم في نجاح هذه التجربة.