يمثل منتدى مسك العالمي واحدة من أبرز المنصات الشبابية الدولية التي تنطلق من المملكة العربية السعودية، وتجمع الشباب والقادة والمبتكرين ورواد الأعمال وصناع التغيير من دول وخبرات متعددة حول قضايا المستقبل والمهارات والابتكار وريادة الأعمال وصناعة الأثر.
وجاءت النسخة الثامنة من منتدى مسك العالمي 2024 | Misk Global Forum لتؤكد اتساع الدور الذي تقوم به المملكة في الاستثمار في الإنسان وتمكين الأجيال الجديدة وربط الشباب السعودي بمنظومات المعرفة والابتكار والخبرات العالمية.
وبحسب مؤسسة محمد بن سلمان «مسك»، ضم المنتدى أكثر من 150 متحدثًا وما يزيد على 100 جلسة حوارية وأكثر من 30 ورشة عمل، وتناول موضوعات شملت الابتكار والتقنية والاستدامة والتعليم والصحة والثقافة والتحديات العالمية.
وأقيمت فعاليات المنتدى يومي 18 و19 نوفمبر 2024 تحت شعار «من الشباب لأجل الشباب | By Youth, For Youth» في مدينة محمد بن سلمان غير الربحية «مدينة مسك» | Mohammed Bin Salman Nonprofit City .
ويعد المنتدى إحدى المبادرات الرئيسة لـ مؤسسة محمد بن سلمان «مسك» ، التي تركز برامجها ومبادراتها على تنمية مهارات الشباب وتمكينهم في مجالات القيادة وريادة الأعمال والمهارات والمشاركة المجتمعية.
ومن وجهة نظري المهنية، فإن أحد أهم عناصر قوة التجربة السعودية هو النظر إلى الشباب باعتبارهم جزءًا أساسيًا من عملية التنمية وصناعة المستقبل، وليس مجرد مستفيدين من برامج جاهزة.
وأرى أن الاستثمار في الشباب هو في حقيقته استثمار في رأس المال البشري والابتكار والقدرة التنافسية للاقتصاد؛ فالمهارات والمعرفة وريادة الأعمال والتقنية أصبحت جميعها من الأصول الرئيسة لأي اقتصاد يسعى إلى النمو المستدام ومواكبة التحولات العالمية.
وفي تقديري، فإن الجهود التي تبذلها المملكة في تمكين الشباب، وتطوير التعليم والمهارات، ودعم ريادة الأعمال والابتكار، وتوفير مساحات تربط الشباب بقادة الفكر والشركات والخبرات الدولية، تمثل استثمارًا طويل الأجل في قوة الاقتصاد السعودي وقدرته على التنوع والتجدد.
ويظهر هذا التوجه بوضوح في منتدى مسك العالمي؛ إذ لا يقتصر على الاستماع إلى المتحدثين، بل يوفر جلسات وورش عمل ومساحات للتفاعل والتواصل وبناء المهارات، بما يسمح للشباب بالمشاركة بصورة أكثر فاعلية في صناعة الأفكار والمبادرات.
ويعكس شعار «من الشباب لأجل الشباب» فلسفة تقوم على أن الشباب أنفسهم قادرون على قيادة المبادرات، ونقل الخبرات، وإلهام أقرانهم، وتحويل الأفكار إلى مشروعات ذات أثر اجتماعي واقتصادي.
وبحسب الوصف الرسمي للمنتدى، يركز جانب «من الشباب» على رحلة الشباب في قيادة الابتكار والتغيير وتطوير المهارات والعقليات المستقبلية، بينما يبرز جانب «لأجل الشباب» الأثر الناتج عن المبادرات الشبابية والعمل الجماعي والتعاون لمواجهة التحديات.
ومن وجهة نظري، فإن هذه الفلسفة مهمة اقتصاديًا أيضًا؛ لأن الاقتصادات الحديثة تحتاج إلى أجيال قادرة على المبادرة والتعلم المستمر وتأسيس الأعمال والتعامل مع التقنية وتحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية واجتماعية.
وتشرّفت بالمشاركة بالحضور في منتدى مسك العالمي، وكانت المشاركة فرصة للاطلاع على عدد من الأفكار والتجارب المرتبطة بتمكين الشباب والابتكار والقيادة وريادة الأعمال، والاستفادة من البيئة الدولية التي وفرها المنتدى للتواصل وتبادل الخبرات.
وما لفت انتباهي بصورة خاصة هو التنوع الكبير في الموضوعات والخبرات المشاركة، بما يعكس طبيعة التحديات التي سيواجهها الشباب مستقبلًا؛ فالتقنية والاستدامة وريادة الأعمال والصحة والثقافة لم تعد ملفات منفصلة، بل أصبحت مترابطة في تشكيل الفرص الاقتصادية والاجتماعية الجديدة.
ومن وجهة نظري المهنية، فإن اهتمام المملكة بالشباب يكتسب قيمة إضافية عندما ننظر إليه من زاوية الاقتصاد؛ فتنمية المهارات والابتكار وريادة الأعمال يمكن أن تسهم في إنشاء شركات جديدة ورفع الإنتاجية وتطوير قطاعات حديثة وتنويع مصادر النشاط الاقتصادي.
وأرى أن استضافة المملكة لمنصات دولية بهذا المستوى تعزز أيضًا ارتباط الشباب السعودي بالشبكات العالمية للمعرفة والأعمال، وتتيح للخبرات الدولية التعرف على الإمكانات الموجودة داخل المملكة والفرص التي يوفرها التحول الاقتصادي السعودي.
وقد شهد منتدى 2024 كذلك مبادرات دولية في مجال الأثر الاجتماعي؛ ومن بينها الإعلان عن برنامج Challenge for Change بين مؤسسة مسك ومؤسسة غيتس لدعم مبادرات ومنظمات غير ربحية ومشروعات اجتماعية سعودية تعمل على حلول تقنية وبيئية وصحية، وفق ما أعلنته الجهات المعنية.
وفي تقديري، فإن هذا النوع من التعاون يوضح كيف يمكن أن يلتقي تمكين الشباب والقطاع غير الربحي والابتكار والشراكات الدولية في منظومة واحدة تسهم في إنتاج أثر اجتماعي واقتصادي مستدام.
وتولي المملكة اهتمامًا متزايدًا بتطوير القطاع غير الربحي ضمن رؤية السعودية 2030، وقد أوضح المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي أن الرؤية اعتبرت هذا القطاع عنصرًا أساسيًا في تنمية المجتمع والاقتصاد، مع العمل على تمكينه وتعظيم أثره الاجتماعي والاقتصادي.
ومن وجهة نظري، فإن أهمية القطاع غير الربحي لا تكمن فقط في تقديم المبادرات الاجتماعية؛ بل تمتد إلى قدرته على الابتكار، وتنمية المهارات، وإيجاد فرص للتطوع والمشاركة، وبناء مبادرات ومؤسسات متخصصة يمكن أن تسهم في التعليم والصحة والثقافة والبحث وغيرها من المجالات.
وهنا تظهر أهمية مدن ومؤسسات ومبادرات مثل مدينة محمد بن سلمان غير الربحية ومؤسسة مسك، إذ توفر بيئة يمكن أن تجمع العمل غير الربحي بالشباب والابتكار وريادة الأعمال وبناء القدرات والتعاون الدولي.
ومن منظوري كخبير قانوني، فإن نمو القطاع غير الربحي يحتاج إلى بيئة تنظيمية واضحة تحافظ على استقلالية العمل الأهلي من جهة، وتعزز الحوكمة والشفافية وحماية الموارد وتحقيق الأهداف المعلنة من جهة أخرى.
ويعد نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية من الأطر الأساسية في هذا المجال؛ إذ يهدف إلى تنظيم العمل الأهلي وتطويره وحمايته، والإسهام في التنمية الوطنية، وتعزيز مساهمة المواطن في إدارة المجتمع وتطويره، وتفعيل ثقافة العمل التطوعي.
كما يمثل نظام العمل التطوعي إطارًا مهمًا لتنظيم العمل التطوعي وتطويره، وتحديد حقوق وواجبات أطرافه، ونشر ثقافة التطوع، وتنمية قدرات المتطوعين وتوجيهها نحو الأولويات الوطنية.
ويعمل المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي في إطار أوسع يتعلق بالإشراف والتنظيم والحوكمة والتمكين وتطوير البيئة التي تعمل فيها منظمات القطاع غير الربحي.
ومن المهم هنا التمييز بين الأنظمة النظامية المعتمدة وبين مفاهيم مثل المسؤولية الاجتماعية والحوكمة والمبادرات التنموية؛ فهي موضوعات مهمة، ولكن لا يصح وصف كل منها تلقائيًا بأنها «نظام» مستقل ما لم يوجد نص نظامي رسمي بهذا الاسم.
ومن وجهة نظري المهنية، فإن ما تقدمه المملكة في مجال تمكين الشباب يستحق التقدير؛ لأن بناء الاقتصاد المستقبلي يبدأ ببناء الإنسان القادر على الابتكار والمبادرة والتعلم والتكيف مع التحولات التقنية والاقتصادية.
وأرى أن قوة المسار السعودي تكمن في الجمع بين تمكين الشباب وريادة الأعمال والابتكار والتقنية والقطاع غير الربحي والاستثمار في رأس المال البشري، وهي عناصر تعزز بعضها بعضًا وتساعد على بناء اقتصاد أكثر تنوعًا ومرونة.
كما أن قدرة الرياض على جمع هذا العدد من المتحدثين والقادة والمبتكرين والشباب من المملكة والعالم تعكس تطور حضورها كمنصة للحوار العالمي حول مستقبل الشباب والابتكار وريادة الأعمال.
وفي تقديري، فإن منتدى مسك العالمي يقدم صورة عملية عن توجه سعودي يتجاوز إعداد الشباب لسوق العمل فقط، إلى تمكينهم من المشاركة في صناعة الفرص وقيادة المبادرات وتأسيس المشروعات والمساهمة في الاقتصاد والمجتمع.
وفي ختام هذه المشاركة، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الجهة المنظمة على دعوتها الكريمة لي للمشاركة في هذا الحدث الدولي، وعلى ما قدمته من تنظيم متميز ومساحة ثرية للحوار والتواصل وتبادل الخبرات، مع خالص التقدير لكل من أسهم في نجاح هذه التجربة.