مثّل المؤتمر العالمي للاستثمار 2024 في الرياض واحدًا من أبرز التجمعات الدولية المتخصصة في الاستثمار الأجنبي المباشر، إذ جمع قيادات الاستثمار ووكالات ترويج الاستثمار والشركات والمنظمات والخبراء من مختلف أنحاء العالم في منصة واسعة للحوار وبناء العلاقات واستكشاف فرص التعاون.
وبحسب البيانات التي نشرتها الرابطة العالمية لوكالات ترويج الاستثمار، استقطبت الدورة الثامنة والعشرون أكثر من 6,000 مشارك من أكثر من 120 دولة، وبمشاركة أكثر من 70 وكالة لترويج الاستثمار، وشهدت أكثر من 200 لقاء أعمال، وهو ما يعكس الحجم الدولي الكبير للمؤتمر وتنوع الجهات المشاركة فيه.
وأقيم المؤتمر العالمي الثامن والعشرون للاستثمار | 28th World Investment Conference خلال الفترة من 25 إلى 27 نوفمبر 2024، تحت شعار «تسخير التحول الرقمي والنمو المستدام: توسيع فرص الاستثمار» في فندق فيرمونت الرياض | Fairmont Riyadh .
وأقيم المؤتمر تحت رعاية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، ونظمته استثمر في السعودية | INVEST SAUDI بالشراكة مع الرابطة العالمية لوكالات ترويج الاستثمار .
وتحمل استضافة المملكة لهذا الحدث العالمي دلالة مهمة في ظل التحول الكبير الذي تشهده بيئة الاستثمار السعودية، واتساع الفرص أمام المستثمرين والشركات في عدد من القطاعات التقليدية والناشئة.
وبحسب الاستراتيجية الوطنية للاستثمار، تعمل المملكة على زيادة حجم وكفاءة الاستثمارات، وتعزيز مساهمة القطاع الخاص المحلي والدولي، وتوليد فرص استثمارية متنوعة، وتنويع مصادر التمويل، وبناء بيئة أكثر جاذبية وتنافسية للمستثمرين.
ومن وجهة نظري المهنية، فإن ما يميز جهود المملكة في مجال الاستثمار هو أنها لا تقتصر على استقطاب رأس المال فحسب؛ بل تقوم على بناء منظومة متكاملة تشمل تطوير البيئة التنظيمية، وتحسين رحلة المستثمر، وتوسيع الفرص الاستثمارية، وتطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية، ودعم التقنية والقطاعات الجديدة، وتعزيز دور القطاع الخاص.
وفي تقديري، فإن هذا التكامل أسهم في تعزيز حضور المملكة على خريطة الاستثمار العالمي؛ فالمستثمر لا يبحث فقط عن فرصة مالية، وإنما ينظر أيضًا إلى حجم السوق، والبنية التحتية، ووضوح الإجراءات، وسهولة ممارسة الأعمال، والقدرة على النمو والوصول إلى أسواق أخرى.
كما أن استضافة الرياض لقيادات وكالات الاستثمار والشركات والمستثمرين من أكثر من مئة دولة تعطي صورة عملية عن المكانة المتنامية للمملكة كمركز للحوار الاستثماري والتواصل بين الأسواق الدولية.
وتشرّفت بحضور المؤتمر والمشاركة في فعالياته، وكانت أهمية هذه المشاركة بالنسبة لي مرتبطة بصورة خاصة بفرصة التواصل المباشر مع ممثلي وكالات الاستثمار والشركات والكيانات الدولية، والاستماع إلى تجارب متعددة في جذب الاستثمار وتطوير الأسواق وبناء الشراكات العابرة للحدود.
وقد شكلت هذه اللقاءات امتدادًا لاهتمامي المهني بموضوع التعاون الدولي والاستثمار والشركات، وما يرتبط بذلك من عقود وتنظيمات وعلاقات تجارية واستثمارية بين أطراف تنتمي إلى أنظمة وأسواق مختلفة.
ومن منظوري كخبير قانوني، فإن نجاح الاستثمار لا يرتبط بحجم الفرصة الاقتصادية وحده؛ بل يتطلب دراسة الشكل القانوني للمشروع، والعلاقات التعاقدية، والتراخيص، والتمويل، وحماية الملكية الفكرية، والمنافسة، والمتطلبات القطاعية بحسب طبيعة النشاط.
ولهذا أرى أن اللقاء المباشر مع وكالات الاستثمار والشركات الدولية يضيف قيمة مهمة؛ لأنه يساعد على فهم طبيعة كل سوق والفرص الموجودة فيه قبل الانتقال إلى مرحلة دراسة المشروع أو التفاوض أو صياغة العلاقة القانونية المناسبة.
وشهد عام 2024 كذلك صدور نظام الاستثمار المحدث في المملكة ضمن مسار تطوير البيئة الاستثمارية، مع ملاحظة أن نفاذه جاء بعد المدة النظامية المحددة من تاريخ نشره؛ ولذلك أتناوله هنا باعتباره جزءًا من مسار التطوير التنظيمي، وليس باعتباره النظام النافذ على وقائع المؤتمر وقت انعقاده.
ومن أكثر جوانب المؤتمر أهمية بالنسبة لي تعدد اللقاءات مع شخصيات وممثلين لكيانات من دول مختلفة، بما أتاح حوارات مباشرة حول جذب الاستثمار، وتوسيع الأعمال، والتقنية، والاستدامة، وتطوير فرص التعاون بين الأسواق.
سعدت بلقاء Mila Nenova ، والتي كانت تشغل وقت المؤتمر منصب المديرة التنفيذية لـ InvestBulgaria Agency .
ودار الحديث حول دور وكالات ترويج الاستثمار في تعريف المستثمرين بالفرص المتاحة وبناء قنوات للتواصل بين الشركات والأسواق، وأهمية العلاقات المهنية في تطوير فرص التعاون الدولي. (بلغاريا | Bulgaria)
وأتاح اللقاء مع ميلا نينوفا التعرف بصورة أقرب على تجربة بلغاريا في الترويج للاستثمار وجذب الشركات الدولية، وتبادل الرؤى حول أهمية بناء علاقات بين المستثمرين ووكالات الاستثمار في الأسواق المختلفة.
كما سعدت بلقاء Courtney Fingar ، مؤسسة Fingar Direct Investment ، والمستشارة في مجال الاستثمار الأجنبي المباشر وترويج الوجهات الاستثمارية.
وتناول اللقاء أهمية التواصل الدولي في التعريف بالفرص الاستثمارية، وكيف يمكن للمؤسسات والأسواق أن تقدم إمكاناتها بصورة أوضح للمستثمرين وتبني علاقات مهنية طويلة الأجل. (المملكة المتحدة | United Kingdom)
وكان هذا اللقاء من اللقاءات المهنية المهمة خلال المؤتمر لما تتمتع به Courtney Fingar من خبرة واسعة في الاستثمار الأجنبي المباشر والتواصل الاستثماري، وهو ما أتاح تبادلًا مفيدًا للرؤى حول ربط المستثمرين بالفرص والأسواق الدولية.
ومن جمهورية الكونغو الديمقراطية، كان لي لقاء مع Mohamed G. Balde ، ودار الحديث حول الإمكانات الاستثمارية التي تتمتع بها البلاد، وبصفة خاصة في القطاعات المرتبطة بالموارد الطبيعية والزراعة والمعادن، وأهمية بناء قنوات للتعاون الاقتصادي المستدام.
ويأتي هذا الحوار في سياق الدور الذي تقوم به Agence Nationale pour la Promotion des Investissements في التعريف بالفرص الاستثمارية ودعم التواصل مع المستثمرين. (جمهورية الكونغو الديمقراطية | Democratic Republic of the Congo)
كما كان لي لقاء مع Ingrid Naranjo ، الخبيرة في الاستراتيجيات الجيوسياسية والذكاء الاصطناعي والمرتبطة مهنيًا بـ Labiana Health .
ودار النقاش حول الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في دعم الابتكار والبحث والتطوير، وما يمكن أن تتيحه التقنيات الحديثة من فرص استثمارية جديدة في القطاعات العلمية والصحية والعلوم الحياتية. (إسبانيا | Spain)
وقد عكست هذه اللقاءات بالنسبة لي أحد أهم أدوار المؤتمر؛ إذ أتاحت التواصل مع ممثلين وخبراء وكيانات من أوروبا وأفريقيا وأسواق مختلفة، والتعرف مباشرة على أولويات الاستثمار والتحديات التي تواجه كل سوق والفرص التي تسعى إلى تطويرها.
ولا يعني اللقاء داخل المؤتمر وجود اتفاق أو شراكة، لكنه يمثل خطوة أولى مهمة للتعارف وفهم الطرف الآخر، وقد يقود لاحقًا إلى دراسة فرصة استثمارية أو تعاون مهني أو علاقة تجارية إذا توافرت الأسس المناسبة.
ومن الناحية القانونية، فإن أي انتقال من التعارف إلى التعاون الفعلي يحتاج إلى تحديد شكل العلاقة وحقوق أطرافها والتزاماتهم والقانون المنظم لها، خاصة عندما تكون العلاقة عابرة للحدود أو تتصل بالاستثمار أو التوزيع أو الشراكات أو نقل التقنية.
وفي تقديري، فإن انعقاد المؤتمر العالمي للاستثمار في الرياض بهذا الحجم الدولي يقدم صورة واضحة عن التطور الذي وصلت إليه المملكة في جذب الاهتمام الاستثماري العالمي وبناء منصات تجمع المستثمرين والجهات والشركات من دول متعددة.
وأرى أن قوة المسار السعودي تكمن في تكامل عناصره؛ فهناك تطوير مستمر للبيئة التنظيمية، وفرص استثمارية في قطاعات متعددة، ومشروعات بنية تحتية ولوجستية كبيرة، وتوسع في التقنية والاقتصاد الرقمي، إلى جانب العمل على تسهيل رحلة المستثمر ورفع تنافسية بيئة الأعمال.
وتوضح الاستراتيجية الوطنية للاستثمار أن المملكة تستهدف بناء بيئة جاذبة وتنافسية للمستثمر المحلي والدولي، وزيادة مساهمة مختلف فئات المستثمرين وتنويع مصادر تمويل الاستثمار، وهو ما يعكس رؤية طويلة الأجل للاستثمار باعتباره محركًا رئيسًا للتنويع والنمو الاقتصادي.
ومن هذا المنطلق، أرى أن استضافة المملكة للمؤتمر لم تكن مجرد استضافة لفعالية دولية؛ بل كانت فرصة لإبراز ما أصبحت توفره السوق السعودية من فرص واتصال عالمي وبنية مؤسسية واستثمارية متطورة، وتعزيز حضور الرياض كإحدى المنصات المهمة للحوار الاستثماري الدولي.
وفي ختام هذه المشاركة، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الجهة المنظمة على دعوتها الكريمة لي للمشاركة في هذا الحدث العالمي، وعلى ما قدمته من تنظيم متميز ومساحة ثرية للحوار والتواصل وتبادل الخبرات، مع خالص التقدير لجميع من التقيت بهم من ممثلي وكالات الاستثمار والشركات والكيانات الدولية، ولكل من أسهم في نجاح هذه التجربة.