مثّل منتدى كفاءة الإنفاق 2024 في الرياض منصة وطنية مهمة لمناقشة كيفية تحقيق أعلى قيمة ممكنة من الموارد العامة، والارتقاء بجودة المشروعات والأصول والمرافق والمشتريات، وربط كفاءة الإنفاق بجودة الأثر والاستدامة وكفاءة الأداء الاقتصادي.
واكتسبت النسخة الأولى من المنتدى أهمية خاصة؛ إذ جمعت صناع القرار والخبراء والمتخصصين وممثلي الجهات الحكومية والقطاع الخاص، إلى جانب خبرات ومشاركات دولية، لمناقشة أفضل الممارسات والمنهجيات والحلول المرتبطة بكفاءة الإنفاق وجودة المشروعات واستدامة الأثر.
وأقيم منتدى كفاءة الإنفاق 2024 | Expenditure Efficiency Forum يومي 11 و12 نوفمبر 2024 في فندق هيلتون الرياض – غرناطة | Hilton Riyadh Hotel & Residences .
ونظمت المنتدى هيئة كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية ، تحت رعاية وزير المالية رئيس مجلس إدارة الهيئة الأستاذ محمد بن عبدالله الجدعان، وفق ما أعلنته الهيئة رسميًا.
وتضمن البرنامج جلسات حوارية وعروضًا و 24 ورشة عمل تناولت كفاءة الإنفاق والمشروعات والأصول والمرافق والمشتريات والتخطيط وقياس الأداء، إلى جانب الابتكار والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي ودورها في تعزيز الكفاءة والاستدامة.
وبحسب ما نقلته الجهات الرسمية عن افتتاح المنتدى، يرتبط مفهوم كفاءة الإنفاق بتعظيم الاستفادة من الموارد وتحقيق الأثر المطلوب بتكلفة مناسبة، مع المحافظة على جودة الخدمات والمشروعات، وليس بمجرد خفض الإنفاق بصورة منفصلة عن النتائج.
ومن وجهة نظري المهنية، فإن هذا المفهوم بالغ الأهمية؛ لأن نجاح الإدارة المالية لا يقاس فقط بحجم الأموال التي يتم توفيرها، بل بمدى القيمة والجودة والأثر التي تتحقق مقابل الموارد المستخدمة.
وأرى أن ربط الإنفاق بالأثر يمثل تطورًا مهمًا في الإدارة الحديثة؛ لأنه ينقل التركيز من حجم الميزانية وحده إلى جودة النتائج وقدرة البرامج والمشروعات على تحقيق الأهداف التي أُنشئت من أجلها.
ومن وجهة نظري المهنية، فإن الجهود التي تبذلها المملكة في مجال كفاءة الإنفاق تستحق التقدير؛ لأنها تعكس تحولًا مؤسسيًا يتجاوز مفهوم الترشيد التقليدي إلى منظومة تشمل التخطيط والمشتريات والمشروعات والأصول والمرافق وقياس الأداء والأثر.
وبحسب ما أعلنه الرئيس التنفيذي لهيئة كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية خلال افتتاح المنتدى، أسهمت مبادرات كفاءة الإنفاق منذ انطلاق رؤية السعودية 2030 في تحقيق أثر مالي تجاوز 1.15 تريليون ريال سعودي، وأشار إلى توجيه هذا الأثر نحو الأولويات الوطنية والمشروعات التنموية ذات الأولوية.
ومن وجهة نظري، فإن أهمية هذا الرقم لا تكمن فقط في حجمه، بل في فكرة توجيه الموارد نحو الأولويات والمشروعات ذات الأثر الأعلى، وهو ما يدعم استمرارية الاستثمار في التنمية والبنية التحتية والخدمات.
وفي تقديري، فإن كفاءة الإنفاق تدعم الاقتصاد السعودي من زاويتين متكاملتين؛ الأولى رفع كفاءة استخدام الموارد العامة، والثانية تحسين جودة المشروعات والخدمات والبنية التحتية التي يعتمد عليها المجتمع والقطاع الخاص والمستثمرون.
وناقشت جلسات المنتدى موضوعات ترتبط بدورة حياة الإنفاق، ومنها الحد من الهدر، وتحسين الأداء التشغيلي والمالي، وإدارة الأصول والمرافق، واستدامة الأثر في المشروعات الوطنية، والارتقاء بممارسات كفاءة الإنفاق في الجهات الحكومية.
كما تناولت أعمال المنتدى منهجيات وأدوات مرتبطة بإدارة المشروعات وقياس الأداء والهندسة القيمية وعقود الأداء وتحويل السياسات والأهداف إلى مؤشرات يمكن متابعتها وقياس نتائجها.
ومن وجهة نظري، فإن هذا الربط بين التخطيط والتنفيذ والتشغيل وقياس الأثر يعد من أهم عناصر الإدارة الحديثة للمشروعات؛ لأن المشروع لا يحقق قيمته بمجرد اكتمال الإنشاء، وإنما بقدرته على تقديم الخدمة أو المنفعة التي أنشئ من أجلها بكفاءة واستدامة.
وتشرّفت بالمشاركة بالحضور في منتدى كفاءة الإنفاق، وكانت المشاركة فرصة للاطلاع بصورة أقرب على التجارب والمنهجيات المستخدمة في تحسين إدارة الموارد والمشروعات والمشتريات، ومتابعة النقاشات التي جمعت الخبراء وصناع القرار والمتخصصين.
ومن منظوري كخبير قانوني، فإن كفاءة الإنفاق ترتبط بصورة وثيقة بالإطار النظامي؛ لأن جودة القرار المالي والتعاقدي تحتاج إلى وضوح الصلاحيات والإجراءات، والمنافسة العادلة، والشفافية، وإدارة العقود والمشروعات وفق قواعد ومنهجيات واضحة.
ويعد نظام المنافسات والمشتريات الحكومية من أهم الأطر النظامية ذات الصلة؛ إذ يهدف إلى تنظيم إجراءات الأعمال والمشتريات، وحماية المال العام، وتحقيق أفضل قيمة له، وتعزيز النزاهة والمنافسة والمساواة والشفافية، إلى جانب تعزيز التنمية الاقتصادية.
كما تفصل اللائحة التنفيذية للنظام مجموعة من الآليات والإجراءات المتعلقة بالتأهيل والعروض والعقود وأساليب الشراء وغيرها، بما يتيح تطبيق أحكام النظام بصورة عملية في الجهات الحكومية.
ومن وجهة نظري المهنية، فإن مفهوم «أفضل قيمة للمال العام» يعبر بدقة عن العلاقة بين التنظيم وكفاءة الإنفاق؛ فالمعيار لا ينحصر بالضرورة في الوصول إلى السعر الأقل، وإنما في تحقيق أفضل نتيجة وفق المتطلبات النظامية والفنية والجودة والأثر المطلوب.
ويمثل تنظيم هيئة كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية أساسًا مؤسسيًا مهمًا لهذه المنظومة؛ إذ يربط بين تحقيق كفاءة الإنفاق والارتقاء بجودة المشروعات والأصول والمرافق، إلى جانب تطوير السياسات والمنهجيات والمعايير والأدلة المرتبطة بهذه المجالات.
وتشمل اختصاصات الهيئة، بحسب تنظيمها الرسمي، دراسة تفاصيل الإنفاق وتحديد فرص رفع الكفاءة، وتطوير المنهجيات المتعلقة بإدارة المشروعات والأصول والمرافق، ومتابعة الأداء والتنسيق مع الجهات الحكومية في المجالات الواقعة ضمن اختصاصها.
وهذا هو الوصف النظامي الأدق بدل استخدام تعبيرات عامة مثل «نظام إدارة المشاريع الحكومية» أو «نظام الحوكمة المالية» وكأنها أنظمة سعودية مستقلة بهذه الأسماء؛ فالمجال تحكمه مجموعة من الأنظمة والتنظيمات واللوائح والمنهجيات والأدلة بحسب الموضوع.
ومن المبادرات المهمة التي أطلقت خلال المنتدى الدليل الاسترشادي لتطبيق منهجية مراجعة الإنفاق في الجهات الحكومية، الذي يعرض مراحل مراجعة الإنفاق بدءًا من التخطيط وجمع البيانات وتحليلها، مرورًا بتحديد فرص التحسين، وصولًا إلى إعداد خطط التنفيذ.
ومن وجهة نظري، فإن أهمية مراجعة الإنفاق تكمن في أنها تربط البيانات المالية بالنتائج التشغيلية؛ فلا يصبح السؤال فقط عن حجم ما أُنفق، بل عن مدى كفاءة العمليات وفعالية البرامج وجودة استخدام الموارد.
كما شهد المنتدى إطلاق منصات ومبادرات مرتبطة ببناء القدرات واستدامة ممارسات كفاءة الإنفاق، وهو ما يعكس اهتمامًا بتطوير الكفاءات المؤسسية والبشرية إلى جانب تطوير الأدوات والمنهجيات.
وشهد المنتدى كذلك نقاشات حول استخدام الذكاء الاصطناعي والابتكار في تعزيز الكفاءة والاستدامة، في ظل توسع دور التقنية في تحليل البيانات وتحسين الإجراءات وتوقع الاحتياجات ورفع الإنتاجية.
ومن وجهة نظري المهنية، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة الموارد والمشروعات يمكن أن يفتح فرصًا مهمة لرفع الكفاءة، لكنه يحتاج في المقابل إلى جودة البيانات والحوكمة والوضوح في المسؤوليات وآليات المراجعة والمساءلة.
ومن وجهة نظري المهنية، فإن مسيرة كفاءة الإنفاق في المملكة تمثل أحد الجوانب المهمة في التحول الاقتصادي السعودي؛ لأنها تساعد على توجيه الموارد نحو الأولويات وتحسين جودة المشروعات والخدمات والمحافظة على استدامة الإنفاق.
وأرى أن قوة التجربة السعودية تكمن في أن رفع الكفاءة يجري بالتوازي مع استمرار الاستثمار في البنية التحتية والمشروعات التنموية والتحول الرقمي والخدمات والقطاعات الاقتصادية الجديدة، وهو ما يجعل كفاءة الإنفاق أداة داعمة للنمو وليس هدفًا ماليًا منفصلًا.
وفي تقديري، فإن تحسين جودة الإنفاق العام ينعكس كذلك على بيئة الاستثمار؛ لأن المستثمر يستفيد من البنية التحتية ذات الجودة، والخدمات الحكومية الأكثر كفاءة، ووضوح الإجراءات، واستدامة التخطيط الاقتصادي.
ومن هذا المنطلق، أرى أن الجهود التي تبذلها المملكة في تطوير كفاءة الإنفاق وجودة المشروعات وإدارة الموارد تمثل مسارًا مؤسسيًا مهمًا يستحق التقدير، لما يمكن أن يحققه من أثر على جودة الخدمات واستدامة التنمية وكفاءة الاقتصاد.
ولهذا فإن منتدى كفاءة الإنفاق لا يمثل، من وجهة نظري، لقاءً متخصصًا في الإدارة المالية فقط؛ بل منصة تكشف جانبًا مهمًا من كيفية الربط بين الموارد والكفاءة والجودة والأثر والاستدامة ضمن مسيرة التنمية والتحول الاقتصادي في المملكة.
وبحسب ما أعلنته هيئة كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية عند اختتام المنتدى، شهدت أعماله توقيع 9 مذكرات تفاهم واتفاقيتين إطاريتين، إضافة إلى إطلاق عدد من المبادرات والأدوات والمنصات المرتبطة باستدامة كفاءة الإنفاق وبناء القدرات ومراجعة الإنفاق.
ومن وجهة نظري، فإن هذه المخرجات تضيف قيمة عملية للمنتدى؛ لأنها تربط الحوار المهني بأدوات ومنهجيات وتعاون مؤسسي يمكن قياس أثره ومتابعة نتائجه في مراحل لاحقة.
وفي ختام هذه المشاركة، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الجهة المنظمة على دعوتها الكريمة لي للمشاركة في هذا الحدث، وعلى ما قدمته من تنظيم متميز ومساحة ثرية للحوار والتواصل وتبادل الخبرات، مع خالص التقدير لكل من أسهم في نجاح هذه التجربة.