مثّل ملتقى القلب الوطني الثالث 2024 في الرياض منصة وطنية متخصصة جمعت الخبراء والمتحدثين والممارسين من مختلف القطاعات الصحية لمناقشة أحدث التطورات في أمراض وجراحة القلب، والوقاية والتشخيص والعلاج والتقنيات الحديثة التي تعيد تشكيل مستقبل الرعاية القلبية.
وتكتسب هذه الفعالية أهمية خاصة لأنها لا تقتصر على عرض التطورات الطبية، بل تجمع المعرفة السريرية بالتقنيات المتقدمة ونقل الخبرات والتدريب العملي، بما يدعم تطوير جودة وكفاءة الخدمات الصحية المقدمة لمرضى القلب في المملكة.
وأقيم ملتقى القلب الوطني الثالث 2024 | Third National Heart Forum خلال يومي 7 و8 نوفمبر 2024 تحت الشعار الرسمي Prism of Progress والذي يمكن التعبير عنه عربيًا بـ «منظور التقدم»، في فندق موفنبيك الرياض | Mövenpick Hotel Riyadh .
ونظم الملتقى المجلس الصحي السعودي ، تحت رعاية وزير الصحة رئيس المجلس الصحي السعودي الأستاذ فهد بن عبدالرحمن الجلاجل، وافتتح أعماله نيابةً عنه مساعد وزير الصحة الدكتور محمد بن خالد العبدالعالي، وفق ما نشره المجلس رسميًا.
وركز البرنامج العلمي على آخر المستجدات في أمراض وجراحة القلب بمختلف تخصصاتها، وأفضل المعايير والممارسات المستخدمة في الوقاية والتشخيص والعلاج والحد من انتشار أمراض القلب وتصلب الشرايين.
كما خصص الملتقى مساحة واضحة للتقنيات الحديثة، بما فيها الذكاء الاصطناعي والجراحة الروبوتية والتدخلات الجراحية محدودة التوغل، وهو ما يعكس التحول المتسارع الذي تشهده الرعاية القلبية عالميًا.
وبحسب المجلس الصحي السعودي، تضمن الملتقى 11 جلسة علمية و4 ورش عمل، إضافة إلى 12 حالة نقل حي مباشر لعمليات قلب من عدد من مراكز القلب المتخصصة في المملكة.
ومن وجهة نظري المهنية، فإن الجمع بين النقاش العلمي والتدريب والنقل الحي للعمليات يمنح الملتقى قيمة كبيرة؛ لأنه يربط المعرفة النظرية بالتطبيق العملي ويتيح للممارسين الاطلاع على تجارب وتقنيات متقدمة في بيئة تعليمية متخصصة.
وشهد الملتقى تكريم الدكتور فراس خليل، قائد الفريق الطبي الذي أجرى في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث أول عملية زراعة قلب كاملة بالروبوت على مستوى العالم في سبتمبر 2024.
وبحسب ما أعلنته الجهات الرسمية، أجريت العملية لمريض يبلغ 16 عامًا كان يعاني فشلًا متقدمًا في القلب، واعتمدت على منهجية جراحية روبوتية أتاحت إجراء الزراعة دون فتح القفص الصدري بالطريقة التقليدية.
ومن وجهة نظري المهنية، فإن هذا الإنجاز يستحق إشادة خاصة؛ لأنه يوضح أن التحول الصحي في المملكة لا يقتصر على التوسع في الخدمات، بل يشمل كذلك الابتكار الطبي والتقنيات الدقيقة وبناء الكفاءات الوطنية والبحث والتدريب المتقدم.
وأرى أن قدرة مؤسسة صحية سعودية على تحقيق إنجاز عالمي بهذا المستوى تقدم صورة مهمة عن الاستثمار طويل الأجل في الإنسان والتخصص والتقنية، وتدعم حضور المملكة في منظومة الطب المتقدم عالميًا.
وخلال الملتقى، أوضح الأمين العام للمجلس الصحي السعودي الدكتور نهار العازمي أن متوسط عمر الإنسان في المملكة بلغ 77.6 سنة في عام 2023 مقارنة بنحو 74 سنة قبل سبع سنوات، كما أشار إلى وصول معدل الرضا العام عن الخدمات الصحية إلى 81%.
وأضاف أن نسبة التجمعات السكانية، بما فيها التجمعات الطرفية، المغطاة بخدمات الرعاية الصحية الأساسية بلغت 96.41%، وربط هذه التطورات بمسار الوقاية ورفع كفاءة الخدمات وتسهيل الوصول إليها ضمن برنامج تحول القطاع الصحي.
ومن المهم بالنسبة لي أن تظل هذه الأرقام منسوبة بوضوح إلى الجهة الرسمية التي أعلنتها؛ أما من وجهة نظري المهنية، فإن دلالتها الأهم تتمثل في اتساع الاهتمام من علاج المرض بعد وقوعه إلى الوقاية والوصول والجودة وتجربة المستفيد واستدامة المنظومة الصحية.
وفي تقديري، فإن هذه الجهود تمثل تحولًا صحيًا مهمًا يستحق التقدير، خصوصًا عندما تقترن بالتطور الرقمي والجراحة الروبوتية والرعاية الافتراضية وتنمية الكفاءات المتخصصة.
وتشرّفت بالمشاركة بالحضور في ملتقى القلب الوطني الثالث، وكانت المشاركة فرصة للاطلاع بصورة مباشرة على التطورات العلمية والتقنية في مجال الرعاية القلبية، ومتابعة النقاشات التي جمعت الخبراء والمتخصصين من مختلف القطاعات الصحية.
ويأتي اهتمامي بهذا النوع من الفعاليات من منظوري كخبير قانوني؛ فالقطاع الصحي من أكثر القطاعات التي تتقاطع فيها التقنية والقرار المهني والمسؤولية وحقوق المريض، وكل تقدم طبي جديد يفتح في الوقت نفسه أسئلة تنظيمية ومهنية تستحق الدراسة.
ومن منظوري كخبير قانوني، فإن استخدام الروبوت والذكاء الاصطناعي والتدخلات الجراحية المتقدمة لا يلغي المسؤولية المهنية، بل يجعل وضوحها أكثر أهمية؛ لأن القرار العلاجي يظل مرتبطًا بكفاءة الممارس وسلامة المريض والالتزام بالمتطلبات المهنية والتنظيمية.
ويعد نظام مزاولة المهن الصحية من الأطر الأساسية ذات الصلة؛ إذ ينظم الترخيص بمزاولة المهن الصحية وواجبات الممارس تجاه المرضى، ويتضمن أحكامًا تتعلق بالمسؤولية المهنية المدنية والجزائية والتأديبية.
ومن وجهة نظري، فإن أهمية هذا النظام تظهر بصورة خاصة عندما تدخل تقنيات جديدة إلى الممارسة الطبية؛ فالتقنية قد تساعد في التشخيص أو العلاج، لكنها لا تلغي ضرورة تحديد المسؤولية عن القرار والإجراء ومتابعة المريض وتوثيق الرعاية.
وفي الجانب المتعلق بحقوق المستفيد، فإن المرجع الأدق ليس ما يسمى «نظام حماية المرضى» كما ورد في النص القديم، وإنما توجد وثيقة حقوق ومسؤوليات المرضى الصادرة عن وزارة الصحة، إلى جانب الحقوق والالتزامات المقررة في الأنظمة واللوائح ذات العلاقة.
وتؤكد الوثيقة أهمية تمكين المريض وإشراكه في القرارات المتعلقة بالخدمة الصحية، والحفاظ على الخصوصية وسرية المعلومات، وإيضاح الحقوق والمسؤوليات بصورة تساعد على تعزيز الثقة بين المريض ومقدم الخدمة.
وأرى أن هذه المبادئ تزداد أهمية في الرعاية القلبية المتقدمة؛ لأن بعض القرارات العلاجية قد تكون دقيقة وعاجلة وتتطلب شرح الخيارات والمخاطر والبدائل بما يتناسب مع حالة المريض والظروف الطبية.
أما نظام المؤسسات الصحية الخاصة فينظم الترخيص والعمل والإشراف بالنسبة للمؤسسات الصحية الخاصة التي تدخل في نطاقه، بما يشمل المستشفيات والمنشآت الصحية الخاصة بحسب تصنيفها.
ومن المهم هنا عدم تقديم هذا النظام وكأنه يحكم جميع المستشفيات والمراكز الحكومية أو كل ما يتعلق بالملتقى؛ فهو نظام مخصص للمؤسسات الصحية الخاصة، ولكنه يمثل جزءًا مهمًا من البيئة التنظيمية الأوسع للقطاع الصحي والاستثمار الخاص في الرعاية الصحية.
وفيما يخص الأبحاث، فإن المسمى النظامي الصحيح هو نظام أخلاقيات البحث على المخلوقات الحية، وليس «نظام البحوث والدراسات الصحية».
ويضع النظام الأسس العامة والضوابط اللازمة للبحوث التي تدخل في نطاق تطبيقه، بما في ذلك البحوث على الإنسان، واللجان المحلية للأخلاقيات، والموافقة بعد التبصير والمتطلبات المرتبطة بحماية المشاركين في البحث.
وفي تقديري، فإن التطور السريع في أبحاث أمراض القلب والذكاء الاصطناعي والتقنيات العلاجية يجعل التوازن بين تشجيع الابتكار وحماية الإنسان مسألة أساسية في مستقبل الرعاية الصحية.
ومن وجهة نظري المهنية، فإن الاستثمار في القطاع الصحي لا ينبغي النظر إليه باعتباره إنفاقًا على العلاج فقط؛ فهو استثمار في رأس المال البشري وجودة الحياة والإنتاجية، وفي الوقت نفسه يفتح قطاعات اقتصادية مرتبطة بالتقنيات الطبية والصحة الرقمية والبحث والابتكار والتصنيع الصحي والتعليم والتدريب.
ويؤكد التقرير السنوي لبرنامج تحول القطاع الصحي لعام 2024 اهتمام المملكة بجذب الاستثمارات المحلية والعالمية إلى القطاع الصحي، وتطوير بيئة تجمع الرعاية والابتكار والتقنية والاستثمار.
وأرى أن ما تشهده المملكة من تطوير للبنية الصحية، وتمكين للتقنيات المتقدمة، وتنمية للكفاءات الوطنية، وتوسيع للشراكات والاستثمار الصحي، يمثل مسارًا متكاملًا يستحق التقدير؛ لأنه يجمع بين القيمة الإنسانية والقيمة الاقتصادية.
وفي تقديري، فإن نجاح المملكة في مجالات متقدمة مثل زراعة القلب بالروبوت يوضح كذلك كيف يمكن للاستثمار في المعرفة والتقنية أن ينتج قيمة طبية عالمية ويعزز جاذبية المملكة للخبرات والشراكات والمشروعات الصحية المتخصصة.
وشهد الملتقى توقيع مذكرتي تفاهم بين المجلس الصحي السعودي ممثلًا بالمركز الوطني للقلب وبين جهات دولية متخصصة، بهدف تطوير جودة وكفاءة خدمات الرعاية الصحية القلبية.
وتضمنت إحداهما التعاون مع جمعية القلب الأمريكية ، والأخرى مع جمعية تصوير الأوعية الدموية والتدخلات القلبية .
ومن وجهة نظري، فإن هذا النوع من التعاون المهني الدولي يساعد على تبادل المعرفة والمعايير والخبرات، ويعزز اتصال المنظومة الصحية السعودية بالمؤسسات العلمية العالمية المتخصصة.
وقد عكست المشاركة في الملتقى حجم الجهد العلمي والمؤسسي المبذول لتطوير خدمات القلب في المملكة، سواء من خلال تبادل الخبرة أو التدريب أو التقنيات الحديثة أو بناء التعاون مع الجهات العلمية المتخصصة.
ومن وجهة نظري المهنية، فإن قيمة هذه اللقاءات تكمن في استمرار تحويل المعرفة إلى ممارسة وتحسينات قابلة للتطبيق؛ لأن جودة الرعاية لا تتوقف عند امتلاك التقنية، وإنما تعتمد كذلك على الكفاءة والتنظيم والتدريب وحقوق المريض والقدرة على قياس النتائج.
وأرى أن استضافة المملكة لمثل هذه الفعاليات المتخصصة، بالتوازي مع الإنجازات الطبية والتحول الرقمي والاستثمار الصحي، تعزز حضور الرياض كمنصة مهمة للخبرة والابتكار والتعاون في مجال الرعاية الصحية.
وفي ختام هذه المشاركة، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى المجلس الصحي السعودي، الجهة المنظمة، على الدعوة الكريمة لي للمشاركة بالحضور في هذا الملتقى، وعلى ما قدمه من تنظيم متميز ومساحة ثرية للحوار والتواصل وتبادل الخبرات، مع خالص التقدير لكل من أسهم في نجاح هذه التجربة.