يمثل منتدى الرياض الاقتصادي إحدى المنصات الاقتصادية الوطنية المهمة التي تجمع صناع القرار وقطاع الأعمال والخبراء والأكاديميين لمناقشة قضايا تمس مستقبل الاقتصاد السعودي، من خلال دراسات متخصصة تستهدف تشخيص التحديات وطرح توصيات يمكن الاستفادة منها في دعم التنمية ورفع كفاءة الاقتصاد الوطني.
وتكتسب الدورة الحادية عشرة أهمية خاصة لتناولها ملفات ترتبط مباشرة بمرحلة التحول الاقتصادي التي تشهدها المملكة، ومنها الاستثمار والحوكمة والذكاء الاصطناعي والموارد الطبيعية وجودة الحياة الوظيفية، وهي موضوعات تتقاطع مع الإنتاجية والتنافسية وتنمية القطاع الخاص واستدامة النمو.
وأقيم منتدى الرياض الاقتصادي 2024 | Riyadh Economic Forum في دورته الحادية عشرة خلال الفترة من 18 إلى 20 نوفمبر 2024 في الرياض | Riyadh ، تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وافتتح أعماله نيابةً عنه صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز أمير منطقة الرياض، بحسب ما أعلنته الجهات الرسمية.
وجاء المنتدى ضمن أعمال غرفة الرياض ، التي يعمل المنتدى من خلالها على دراسة عدد من القضايا الاقتصادية الوطنية وإشراك ممثلي القطاعات الحكومية والخاصة والأكاديمية في مناقشتها.
وبحسب غرفة الرياض، ناقشت الدورة أربع دراسات رئيسية؛ تناولت الأولى تطوير ممارسات جودة الحياة الوظيفية لرفع الإنتاجية في المنظمات السعودية، بينما بحثت الثانية تحفيز الاستثمار وحوكمته من خلال التمايز في السياسات الحكومية بين المناطق.
وتناولت الدراسة الثالثة تعزيز دور الذكاء الاصطناعي في تنمية الاقتصاد الوطني، في حين ركزت الدراسة الرابعة على تعظيم العائد الاقتصادي من الموارد الطبيعية لتحقيق التنمية المستدامة.
ومن وجهة نظري المهنية، فإن قوة اختيار هذه الموضوعات تكمن في أنها تربط بين العنصر البشري والاستثمار والتقنية والموارد الطبيعية؛ أي بين مجموعة من العوامل التي تؤثر بصورة مباشرة في إنتاجية الاقتصاد وقدرته على النمو والتنوع والمنافسة.
ويأتي المنتدى في مرحلة تشهد فيها المملكة جهودًا كبيرة لإعادة تشكيل بنيتها الاقتصادية وتوسيع مساهمة القطاع الخاص، وفتح قطاعات وفرص استثمارية جديدة، وتحسين بيئة الأعمال، وتطوير البنية التحتية والتقنية والخدمات اللوجستية، ضمن المسارات والمستهدفات المعلنة لرؤية السعودية 2030.
وبحسب التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 لعام 2024، بلغت مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي 47% في الربع الثالث من عام 2024، متجاوزة المستهدف السنوي البالغ 46%، وهو من المؤشرات التي تعكس اتساع دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.
كما توضح الاستراتيجية الوطنية للاستثمار أن المملكة تستهدف زيادة حجم وكفاءة الاستثمارات، وتعزيز دور القطاع الخاص المحلي والأجنبي، وتوليد فرص استثمارية متنوعة، وتنويع خيارات التمويل، وبناء بيئة أكثر جاذبية وتنافسية للمستثمر.
ومن وجهة نظري المهنية، فإن ما يميز المسار الاقتصادي السعودي هو أنه لا يعتمد على مبادرة منفردة؛ بل على منظومة متكاملة تجمع بين تطوير الأنظمة، وتحسين بيئة الاستثمار، وتمكين القطاع الخاص، وتطوير الصناعة والخدمات والتقنية والبنية التحتية، واستثمار المزايا التنافسية لكل منطقة وقطاع.
وفي تقديري، فإن هذا التكامل يمثل أحد عناصر القوة المهمة في الاقتصاد السعودي؛ لأن المستثمر لا ينظر فقط إلى الفرصة المالية، وإنما يهتم كذلك بحجم السوق، والبنية التحتية، ووضوح الأطر التنظيمية، والتمويل، والكفاءات، وسهولة ممارسة الأعمال، والقدرة على النمو والتوسع.
وعلى هامش المنتدى، سعدت بلقاء الأستاذ منصور العجمي ، مدير إدارة التعاون الدولي في غرفة الرياض، وكان اللقاء فرصة لتبادل الحديث حول الدور الذي تقوم به الإدارة في بناء جسور التواصل بين مجتمع الأعمال السعودي ونظرائه في الأسواق الدولية، ودعم العلاقات الاقتصادية والاستثمارية.
وقد أعربت خلال اللقاء عن تقديري لجهود غرفة الرياض وإدارة التعاون الدولي في تعزيز التعاون الدولي وربط مجتمع الأعمال المحلي بالوفود والشركات والمؤسسات الدولية، وهو دور أراه مهمًا في دعم الاستثمار وفتح قنوات جديدة للتجارة والشراكات.
وتشرّفت بالمشاركة في المنتدى، وكانت المشاركة فرصة لمتابعة الدراسات الاقتصادية المطروحة والتعرف بصورة أقرب على عدد من القضايا التي تؤثر في بيئة الأعمال والاستثمار، والاستفادة من النقاشات التي جمعت بين المسؤولين والخبراء وقطاع الأعمال.
ومن منظوري كخبير قانوني، فإن جاذبية الاقتصاد للاستثمار لا تعتمد على الفرص وحدها، بل ترتبط كذلك بوضوح البيئة النظامية التي تنظم تأسيس الشركات والعلاقات التجارية والمنافسة وإعادة هيكلة الأعمال والتعاملات التعاقدية.
وتضم المنظومة النظامية السعودية عددًا من الأطر المهمة، من بينها نظام الشركات الذي ينظم أشكال الشركات وإدارتها وعلاقات الشركاء والمساهمين، ونظام المنافسة المرتبط بحماية المنافسة المشروعة، إلى جانب نظام الإفلاس الذي ينظم الإجراءات المتاحة لمعالجة أوضاع المدينين المتعثرين أو المفلسين وفق أحكامه.
ومن وجهة نظري المهنية، فإن التطوير المستمر للأطر التنظيمية، إلى جانب السياسات والاستراتيجيات الاقتصادية والاستثمارية، يسهم في رفع مستوى الوضوح والثقة في السوق، ويوفر أساسًا أفضل لاتخاذ القرارات الاستثمارية، مع ضرورة دراسة المتطلبات الخاصة بكل نشاط أو مشروع بحسب حالته.
وما لفت انتباهي في دراسات المنتدى هو الربط بين الاستثمار والذكاء الاصطناعي والموارد الطبيعية والإنتاجية؛ فهذه الملفات لم تعد منفصلة في الاقتصاد الحديث، وإنما يؤثر كل منها في قدرة القطاعات على النمو ورفع الكفاءة واستحداث فرص جديدة.
ومن وجهة نظري، تمتلك المملكة عناصر قوة مهمة في هذا المسار، تشمل موقعها الاستراتيجي، وحجم اقتصادها وسوقها، والموارد الطبيعية، والبنية التحتية المتطورة، والتوسع في الاقتصاد الرقمي والخدمات اللوجستية والصناعة والسياحة وغيرها من القطاعات التي تشهد تحولات واستثمارات واسعة.
كما أن الاهتمام بالذكاء الاصطناعي والاستثمار النوعي وتنمية الموارد، كما عكسته موضوعات المنتدى، ينسجم مع اتجاه أوسع نحو تنويع الاقتصاد وتعزيز استخدام التقنية ورأس المال والقدرات البشرية والموارد بصورة أكثر تكاملًا.
وفي تقديري، فإن منتدى الرياض الاقتصادي يؤدي دورًا مهمًا في هذا السياق لأنه يتيح مناقشة هذه الملفات على أساس دراسات وتحليلات، ويوفر مساحة تجمع الجهات الحكومية وقطاع الأعمال والخبراء لمناقشة قضايا تمس مستقبل الاقتصاد الوطني.
ومن وجهة نظري المهنية، فإن ما تشهده المملكة من توسع في الاستثمار وتمكين القطاع الخاص وتطوير الأنظمة والبنية التحتية والقطاعات الجديدة يمثل تحولًا اقتصاديًا لافتًا يستحق التقدير.
وأرى أن أهمية هذه الجهود تكمن في أنها لا تستهدف النمو في قطاع واحد فقط، بل تعمل على توسيع قاعدة الاقتصاد، وجذب الاستثمار، ورفع تنافسية القطاع الخاص، وتطوير الصناعة والتقنية والخدمات اللوجستية، وتعزيز اتصال السوق السعودية بالاقتصاد العالمي.
وفي تقديري، فإن قدرة المملكة على الجمع بين المشروعات الكبرى والإصلاحات التنظيمية والاستثمار في البنية التحتية وتنمية القطاعات الجديدة توفر أساسًا مهمًا لبناء اقتصاد أكثر تنوعًا ومرونة، وتدعم قدرة الشركات السعودية والمستثمرين على النمو وبناء شراكات محلية ودولية.
ومن هذا المنطلق، أرى أن انعقاد الدورة الحادية عشرة من منتدى الرياض الاقتصادي يمثل جزءًا من حراك اقتصادي أوسع تشهده المملكة، ويوفر منصة مهمة لدراسة التحديات والفرص ومناقشة السياسات والأفكار التي يمكن أن تسهم في دعم التنمية الاقتصادية.
وفي ختام هذه المشاركة، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى غرفة الرياض والجهة المنظمة على دعوتها الكريمة لي للمشاركة في منتدى الرياض الاقتصادي، وعلى ما قدمته من تنظيم متميز ومساحة ثرية للحوار والتواصل وتبادل الخبرات، مع خالص التقدير لجميع القائمين على المنتدى ولكل من أسهم في نجاح هذه التجربة.