جاء حضوري للدورة الحادية والأربعين من المعرض الزراعي السعودي Saudi Agriculture 2024 من اهتمامي المهني، بصفتي خبيرًا قانونيًا، بقطاعات الاستثمار وما يرتبط بها من أنظمة وفرص تعاون وعلاقات تجارية عابرة للحدود؛ فالقطاع الزراعي اليوم لا ينفصل عن الاستثمار والتقنية والأمن الغذائي وسلاسل الإمداد والاستدامة.
ولذلك لم تكن مشاركتي في المعرض بهدف متابعة المنتجات الزراعية في ذاتها، وإنما للتعرف بصورة مباشرة على اتجاهات السوق والشركات العاملة فيه، ومناقشة فرص التعاون الدولي والاستثمار، وفهم ما تطرحه التقنيات الزراعية الحديثة من فرص وتحديات تنظيمية وتجارية داخل المملكة.
يمثل القطاع الزراعي مساحة واسعة للتعاون بين الشركات السعودية والدولية، سواء في البيوت المحمية والزراعة الذكية وأنظمة الري والإنتاج الآلي للأعلاف أو في المعدات والمدخلات والخدمات المرتبطة بالإنتاج والتصنيع والتخزين والتسويق.
ومن وجهة نظري المهنية، فإن القيمة الحقيقية للمعارض المتخصصة تظهر عندما تتحول اللقاءات من مجرد التعرف على المنتج إلى بحث نموذج التعاون المناسب: توريد، أو توزيع، أو شراكة تجارية، أو نقل تقنية، أو إنشاء مشروع، أو دخول استثماري إلى السوق وفق متطلباته النظامية والفنية.
وفي هذا السياق، أقيمت النسخة الحادية والأربعون من Saudi Agriculture 2024 خلال الفترة من 21 إلى 24 أكتوبر 2024 في Riyadh International Convention & Exhibition Center | مركز الرياض الدولي للمؤتمرات والمعارض .
وشهد المعرض مشاركة نحو 370 شركة محلية ودولية من 29 دولة بحسب وزارة البيئة والمياه والزراعة، وتناول مجالات الزراعة والأغذية العضوية والدواجن والثروة الحيوانية ومنتجات الألبان والاستزراع المائي وتصنيع الأغذية وتعبئتها، إلى جانب الحلول والأنظمة الزراعية الحديثة.
وكانت لي خلال المعرض عدة لقاءات مهنية مع شركات تعمل في تقنيات الزراعة الحديثة والبيوت المحمية والإنتاج الزراعي الذكي. وقد ركزت في هذه اللقاءات على التعرف على نماذج الأعمال والتقنيات التي تقدمها الشركات، ومدى ملاءمتها لاحتياجات السوق السعودي، وفرص التعاون الممكنة معها من منظور استثماري وتجاري وتنظيمي.
كان من بين هذه اللقاءات اجتماع مع ممثل SERECO S.r.l. ، وهي شركة إيطالية ظهرت ضمن قائمة العارضين في المعرض، ولديها نظام آلي لإنتاج براعم الأعلاف الخضراء في بيئة خاضعة للتحكم.
وتناول الحديث إمكانات هذه التقنية في دعم الإنتاج الزراعي والحيواني، وما يمكن أن توفره الأنظمة المؤتمتة من تحكم أكبر في الري والإضاءة والبيئة الداخلية وتقليل الاعتماد على الظروف الزراعية التقليدية.
ومن زاويتي القانونية والاستثمارية، فإن تقييم مثل هذه التقنية لا يتوقف عند كفاءتها الفنية؛ بل يمتد إلى نموذج إدخالها إلى السوق، ومتطلبات النشاط، والمسؤوليات التعاقدية، وخدمات التشغيل والصيانة، ومدى توافق المشروع الذي تستخدم فيه مع الأنظمة والاشتراطات المطبقة في المملكة. (إيطاليا | Italy)
كما التقيت ممثل Guniverse Intelligent Agricultural Tech Co., Ltd. ، وهي شركة صينية متخصصة في حلول البيوت المحمية والزراعة الحديثة، ومدرجة ضمن عارضي Saudi Agriculture.
وقد دار النقاش حول التقنيات المستخدمة في البيوت المحمية والزراعة الذكية، وكيف يمكن رفع الإنتاجية وتحسين التحكم في الموارد والبيئة الزراعية. وتوضح بيانات الشركة أنها تقدم حلولًا متكاملة للبيوت المحمية تشمل التصميم والتصنيع والتجهيز وتقنيات الزراعة، ولها مشروعات في أكثر من ستين دولة.
وفي تقديري، فإن دخول هذه الحلول إلى السوق السعودي يفتح فرصًا تتجاوز مجرد استيراد المعدات؛ إذ قد تمتد إلى تطوير مشروعات متكاملة، ونقل الخبرة، والتشغيل والصيانة والتدريب، وهو ما يجعل البناء التعاقدي والتنظيمي للشراكة جزءًا أساسيًا من نجاحها. (الصين | China)
وكان لي كذلك لقاء مع ممثلي Rovero Greenhouses ، الشركة الهولندية العاملة في حلول البيوت المحمية، وتناول الحديث التطورات المرتبطة بالزراعة المحمية والبيئات الزراعية التي تسمح بتحكم أكبر في عوامل الإنتاج.
واهتممت خلال اللقاء ببحث فرص التعاون والاستفادة من الخبرات الدولية في هذا القطاع، خصوصًا أن طبيعة البيئة في المملكة تجعل كفاءة استخدام المياه والتحكم في ظروف الإنتاج والاستدامة التشغيلية عناصر مؤثرة في جدوى المشروعات الزراعية الحديثة. (هولندا | Netherlands)
ومن المهم هنا تصحيح فكرة شائعة عند تناول الاستثمار الزراعي؛ فليس صحيحًا تقديم مسميات مثل «نظام حوافز الاستثمار في الزراعة الذكية» أو «نظام حماية الاستثمارات الزراعية» أو «نظام الأمن الغذائي» باعتبارها أنظمة سعودية مستقلة ما لم يكن لها أصل نظامي رسمي.
الإطار الأساسي المنظم للقطاع هو نظام الزراعة الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/64) وتاريخ 10/8/1442هـ، ولائحته التنفيذية. وقد جاء النظام لتنظيم شؤون القطاع الزراعي وإدارته وحمايته وتنميته واستدامته والمساهمة في تحقيق الأمن الغذائي والتنمية الريفية والاجتماعية، وتنظيم الأنشطة المرتبطة بالإنتاج والاستيراد والتصدير وغيرها.
كما يتناول النظام السجل الزراعي والتراخيص والمنشآت الزراعية والبيطرية والرقابة والتفتيش ومنتجات القطاع والثروة النباتية والحيوانية والمائية الحية والخدمات الزراعية، إضافة إلى أحكام تتصل بجذب وتشجيع القطاع الخاص.
ومن منظوري كخبير قانوني، لا يمكن تحديد الالتزامات النظامية لمشروع زراعي من خلال وصفه بأنه «استثمار زراعي» فقط؛ إذ يجب أولًا تحديد النشاط الفعلي: هل هو إنتاج نباتي؟ بيت محمي؟ زراعة مائية؟ توريد معدات؟ خدمة زراعية؟ تصنيع؟ استيراد؟ أم مشروع متكامل يجمع أكثر من نشاط؟
وبعد تحديد النشاط يمكن فحص التراخيص والموافقات والمتطلبات البيئية والفنية والمنتجات والمدخلات والمياه والاستيراد والتصدير والعقود، وما إذا كانت هناك جهات تنظيمية أخرى تدخل بحسب طبيعة المشروع.
وهذه القراءة الدقيقة مهمة للمستثمر الأجنبي بصفة خاصة؛ لأن نجاح التقنية في دولة أخرى لا يعني بالضرورة إمكان تشغيل النموذج التجاري نفسه في المملكة دون مواءمة نظامية وفنية وتجارية.
وأظهر المعرض بوضوح مدى ارتباط التقنية الزراعية بمفهوم الأمن الغذائي؛ فالبيوت المحمية والزراعة المائية وأنظمة التحكم والإنتاج الذكي لا تكتسب أهميتها من حداثتها فقط، وإنما من قدرتها على تحسين إدارة الموارد ورفع الإنتاجية وتعزيز استقرار سلاسل الإنتاج.
ومن وجهة نظري، فإن الفرصة الاستثمارية الأقوى هي التي تجمع بين الجدوى الاقتصادية وكفاءة استخدام الموارد وقابلية التقنية للعمل في البيئة المحلية ووجود خدمة مستمرة بعد البيع، مع وضوح العلاقة التعاقدية بين المصنع والمستثمر والمشغل والمورد.
وقد أكدت لي هذه اللقاءات أن المعارض الدولية تظل نقطة بداية وليست نهاية؛ فالتعارف المهني يمكن أن يتحول إلى تعاون حقيقي عندما تتوافر الحاجة السوقية والجدوى والقدرة الفنية، ثم يصاغ نموذج واضح يحدد مسؤوليات كل طرف والحقوق التجارية والضمانات ونقل التقنية والتدريب وخدمة ما بعد البيع.
ولهذا أتعامل مع المشاركة في مثل هذه الفعاليات باعتبارها جزءًا من متابعة قطاعات الاستثمار وبناء جسور بين الشركات والخبرات الدولية والسوق السعودي، مع قراءة الفرص من الزاويتين القانونية والتجارية قبل الانتقال إلى أي التزام استثماري.
وفي ختام هذه المشاركة، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الجهات المنظمة على دعوتها الكريمة لي للمشاركة بالحضور في الدورة الحادية والأربعين، وما أتاحته من مساحة للتواصل مع الشركات الدولية والاطلاع على اتجاهات التقنية والاستثمار في القطاع الزراعي، متطلعًا إلى أن تسهم هذه اللقاءات في بناء فرص تعاون جادة ومستدامة.